عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان

في الفترة الممتدة بين شهريّ شباط/فبراير وآذار/مارس 2025، أصدر البنك الدولي 3 تقارير تقييم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن كلٍّ من "الحرب" في أوكرانيا و"النزاعات" في غزة ولبنان. تتيح هذه التقارير قراءة مقارنة للمنهجية المُعتمدة في التقييم، التي يُفترض أن تكون "منهجية مُعترف بها دولياً وراسخة" (البنك الدولي 2025، ص. 52). يُقدّم هذا المنظور التحليلي قراءة نقدية للبناء السياسي لتقييمات البنك، مع التوقف أيضًا عند استخداماتها المتعددة كأدوات في سوق العلاقات الدولية.

لا تستعمل تقارير البنك الدولي عن فلسطين كلمة "حرب" أبداً في النص، إنما ترد فيها حصراً مصطلحات "النزاعات" (نزاع 2023، نزاع 2021، نزاع 2014، إلخ). بالمثل، لا يحصل على مصطلح "حرب" في التقارير الخاصة بلبنان، باستثناء بعض الإشارات النادرة في المراجع البيبليوغرافية، والمرّة الوحيدة التي يرد فيها مصطلح "إسرائيل" هي في إحدى الحواشي.

هذه الحذف ليس عرضياً. من خلال تجنب أي إشارة إلى الحرب أو الأطراف المعتدية في السياقين اللبناني والفلسطيني، يسهم البنك الدولي في نزع الطابع السياسي عن العنف. ويمحو بذلك إمكانية الاعتراف بجرائم الحرب، كما يُركّز حجم الأضرار في تقاريره على الخسائر التي لحقت بالمسكن، فيما يُهمل الخسائر التي أصابت الخدمات العامة ونُظم الحماية الاجتماعية وحقوق الإنسان، لا سيما تلك الناجمة عن أسلحة ممنوعة كالفسفور الأبيض.

يمكنكم قراءة التقرير الكامل للاطلاع على تحليل نقدي مقارن حول الطريقة التي تعيد من خلالها المؤسسات الدولية كتابة الحروب، وما يعنيه ذلك للمساءلة الدولية. 

عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان

 

فريق الإعداد

المؤلّف: نزار حريري (باحث اقتصادي ومُحلِّل لسوق العمل)

فريق التحرير:

ماري-نويل أبي ياغي (باحثة في العلوم السياسية ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية)، ليا يمّين (مُبدِعة وباحثة ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية)

التصميم: فاليري نصير

الترجمة والتحرير اللغوي:
The Language Platform

 

 

تُعبِّر وجهات النظر الواردة في هذا المنشور عن آراء الكاتبة حصرًا، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية أو شركائه.

© مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية. بيروت، تموز/يوليو ٢٠٢٥.

جميـع الحقـوق محفوظـة. لا يجـوز إعـادة إنتـاج أيّ جـزء مـن هـذا المنشـور، أو توزيعـه، أو نقلـه بـأيّ شـكل أو بأيّ وسيلة، بمــا فــي ذلــك التصوير، أو التسجيل، أو أيّ وســائل إلكترونيــة أو ميكانيكيــة أخــرى، مـن دون إذن خطّـي مسـبق مـن الناشـر، إلّا فـي حالـة الاقتباسات الموجـزة والإشارة فـي المراجعات والمقالات النقديـة، وبعـض الاستخدامات غيـر التجاريـة الأخرى التي يسمح بهـا قانـون حقوق النشر.

 

 

 

الملخّص التنفيذي

في الفترة الممتدّة بين شهرَيْ شباط/فبراير وآذار/مارس ٢٠٢٥، أصدرَ البنك الدولي ٣ تقارير لتقييم التكلفة الاقتصادية الناجمة عن "الحرب" في أوكرانيا و"النزاعات" في كلّ من غزّة ولبنان. تسمح هذه التقارير بإجراء قراءة مُقارَنة تتناول منهجية التقييم التي يُفترَض أن تكون "موحّدة ومُعترَف بها دوليًا بشكل كافٍ" (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٥٢). ومن هنا، يُقدِّم هذا المنظور المُقارَن رؤيةً نقدية للبُعد السياسي الذي ترتكِز عليه تقييمات البنك الدولي، لا بل يكشف أيضًا عن تعدُّد استخداماتها كأدواتٍ في سياق العلاقات الدولية.

لا يَرِد مصطلح "الحرب" إطلاقًا في تقارير البنك الدولي المتعلّقة بفلسطين، بل يُشار إليها حصريًا من خلال مصطلح "النزاعات" (نزاع ٢٠٢٣، نزاع ٢٠٢١، نزاع ٢٠١٤، إلخ). بالمثل، لا يظهر هذا المصطلح في التقارير الخاصّة بلبنان باستثناء بعض الاستخدامات النادرة التي تَرِد ضمن المَراجِع، ولم يُذكَر اسم "إسرائيل" سوى مرّة واحدة، وذلك ضمن هامش توضيحي في أسفل الصفحة.

في المقابل، استخدمَ البنك الدولي في تقييمٍ صدرَ في العام ٢٠٢٤ حول أوكرانيا مصطلح "الحرب" ١٨٤ مرّة، من بينها أربع مرّات أشار فيها بوضوح إلى الآثار الناجمة عن "جرائم الحرب" التي ارتكبتها روسيا (البنك الدولي ٢٠٢٤ج). أمّا التقييم الصادر في العام ٢٠٢٥، فقد خصَّصَ مساحة أوسع لإبراز طبيعة العنف المُرتكَب وحدّته في سياق "الغزو" (وردَ هذا المصطلح ٩٣ مرّة) الروسي (ذُكِرَت روسيا ٥٠ مرّة على الأقلّ)، مع الكشف عن الارتفاع المُتسارِع في الحصيلة العامّة، وفقًا لمراحل الحرب ومساراتها ووتيرة تصاعدها (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٢٤- ٢٥). "وفضلًا عن الآثار الماديّة أو المالية، التي يسهُل إلى حدٍّ ما قياسُها بشكلٍ كميّ"، يسعى التقرير أيضًا إلى تقديم "وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢[1]" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ١٠).

إنَّ الانتقال من تقييمٍ في سياق حرب (كما هو الحال في أوكرانيا) إلى تقييماتٍ في سياق نزاعات (كما في غزّة ولبنان) ليسَ مجرّد مسألة دلالية. فهو يؤدّي إلى تغيير الفئات "القابلة للرصد" المُعتمَدة في التقييم، ما ينعكس مباشرةً على "التكلفة" المُحتسَبة للحرب.

بالتالي، فإنَّ الانتقال من تقييمٍ في زمن الحرب إلى تقييمٍ في زمن النزاع (أو ما بعد النزاع) هو انحيازٌ أيديولوجي قد يؤدّي إلى تقديم صورة مغلوطة عن الحصيلة. والأخطر من ذلك أنَّ هذا الموضوع يرتبط مباشرةً بمشكلة الاعتراف العالمي بحقوق الضحايا ووضعهم/نّ، كما أنَّه قد يُحوِّل التقييم إلى أداة تنفي جرائم الحرب، لا بل جرائم الإبادة أيضًا، بما في ذلك التدمير المنهجي والمتعمّد للبيئة الطبيعية (الإبادة البيئية)، أو المُدُن (الإبادة الحضرية)، أو حتّى المساحات التعليمية (الإبادة التعليمية).

حُدِّدَت الفاتورة الحربية التي قَدَّرَها البنك الدولي في حالة أوكرانيا بناءً على نهجٍ قائم على حقوق ضحايا الحروب، إذ تأخذ في الاعتبار، وعن صواب، حقوق ضحايا الحرب، ولا سيّما رعاية جرحى الحرب ودعم أُسَر المُحارِبين من خلال الضمان الاجتماعي وبرامج المساعدة، وهما بُعدان يغيبان تمامًا عن التقارير المتعلّقة بلبنان وغزّة.

Anchorمن جهة أخرى، من خلال التنسيق مع الدولة، تُراعي تقييمات البنك الدولي حول أوكرانيا السياسات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي تهدف إلى حماية حقوق الضحايا أو استردادها، ممّا يُتيح المجال لوضع آليات تهدف إلى الاعتراف بجرائم الحرب والتعويض عنها، بما يتماشى مع قرار مجلس أوروبا بشأن إنشاء سجلّ دولي للأضرار الناجمة عن العدوان الروسي على أوكرانيا، وذلك بموجب القرار CM/Res (٢٠٢٣). وأخيرًا، تشمل الحسابات المُقدَّرة ضمن تقارير البنك الدولي حول أوكرانيا جميع التكاليف المرتبطة بإدارة مخاطر المتفجّرات، بالإضافة إلى تكاليف الموارد البشرية اللازمة لإعادة تأهيل الأراضي المتضرّرة من الحرب في مرحلة ما بعد النزاع.

أمّا في حالتَيْ لبنان وغزّة، فيُنفِّذ البنك الدولي هذه العملية خارج أيّ إطار تنظيمي، وأحيانًا من دون أيّ تنسيق مع السلطات المحلّية (كما في التقريرَيْن المرحليَّيْن للبنك في العام ٢٠٢٤)، ممّا يترك للجهات المُقيِّمة حرّية تحديد عناصر التقييم (التي يجب تضمينها أو استثناؤها).

بالتالي، يرى البنك الدولي أنَّ الآثار البيئية الناجمة عن الحروب في لبنان وغزّة ترتبط بشكلٍ رئيسي بأزمات إدارة النفايات الناتجة عن الدمار أو نزوح السكّان. وفي حالة لبنان، لم يذكر التقرير استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض، على الرغم من آثاره الطويلة الأمد على الصحّة والبيئة والحماية الاجتماعية، وذلك بحُجّة أنَّه قد " تَعَذَّرَ على البنك الدولي التحقّق من استخدامه بشكل مستقلّ وعلمي" (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ١٤).

ونُلاحظُ اختلافًا جوهريًا أخيرًا في المكانة التي يوليها البنك الدولي للنساء وضحايا العنف الجنسي. ففي تقريره حول أوكرانيا، يُشير البنك الدولي بوضوح إلى أعمال العنف القائم على النوع الاجتماعي التي ارتكبتها القوّات الروسية، ويُصنِّفها كجرائم حرب. في المقابل، تكتفي تقارير البنك الدولي حول فلسطين بالإشارة إلى أعمال العنف التي يرتكبها الفتيان والرجال الفلسطينيون، باعتبارها مسألة داخلية تخصّ المجتمع الفلسطيني. ولكنَّ الأمم المتّحدة لا تتردّد في وصف استخدام الجيش الإسرائيلي لأعمال العنف الجنسي (ضدّ الرجال والنساء) والعنف القائم على النوع الاجتماعي بشكلٍ منهجي ومتعمّد في فلسطين، باعتبارها جرائم ضدّ الإنسانية (الأمم المتّحدة ٢٠٢٥).

وأخيرًا، تكشف حالة عدم اليقين المتعلّقة بحصيلة وفيات الحروب عن الاختلاف الواضح بين المكانة الثانوية التي يمنحها البنك الدولي لمصادر المعلومات التي تُقدِّمُها السلطات العامّة في فلسطين أو لبنان، والمكانة الأساسية التي يُخصِّصها للبيانات المُقدَّمة من الحكومة الأوكرانية.

ختامًا، تستثني تقارير البنك الدولي حول لبنان وغزّة جزءًا كبيرًا من التكاليف المرتبطة بالحرب (مثل التكاليف البيئية الناجمة عن استخدام الأسلحة غير التقليدية، ومخاطر المتفجّرات، وتكاليف رعاية جرحى الحروب والأشخاص ذوي الإعاقة، والتكاليف المرتبطة بالحماية الاجتماعية...)، وهي تكاليف أُدرِجَت في تقرير البنك حول أوكرانيا. نتيجةً لذلك، يرى البنك الدولي أنَّ الجزء الأكبر من "تكاليف النزاعات" في كلٍّ من لبنان وغزّة يرتبط بالدمار الذي شهده قطاع الإسكان، في حين لا يُمثِّل ذلك سوى ثلث تكاليف "الحرب" في أوكرانيا.

في المستقبل، من الضروري إجراء مقارنات منهجية بين تقييمات البنك الدولي وتلك التي تعتمد مقاربات قطاعية مفصّلة قائمة على الواقع الميداني وتنطلق من مستوى القاعدة [ground-level approaches]، على غرار التقييمات التي يُجريها المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، وذلك لمواجهة الهيمنة المتزايدة للبنك الدولي على مجال التقييم في زمن الحرب. ففي ظلّ صدور مذكّرات اعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية بحقّ قادة روس وإسرائيليين، باتت هذه التقييمات قضايا سياسية رئيسية، تتعلّق بشكلٍ أساسي بمسألة الاعتراف بجرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجَمَاعية، والجرائم ضدّ الإنسانية (أو إنكارها)، ويُرجَّح أن تحمل تداعيات بالغة الأهمية على مستقبل القانون الدولي.

 

المقدّمة

في آذار/مارس ٢٠٢٥، نشرَ البنكُ الدولي تقريرَ تقييمٍ "ختاميٍّ" لتقدير الأضرار والخسائر والاحتياجات المستقبلية للتعافي (recovery) وإعادة الإعمار في أعقاب "النزاع الذي شهده لبنان في عامَيْ ٢٠٢٣- ٢٠٢٤"[2] (البنك الدول ٢٠٢٥أ، ص. ٩). يرتكز هذا التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان على "منهجية موحّدة لتقييم احتياجات ما بعد الكوارث" (تقييم احتياجات ما بعد الكوارث) (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ١٦، ٥٢، ٥٥). ومع أنَّه من البديهي أنَّ هذا التقرير يتناول تقييمًا اقتصاديًا لتداعيات الحرب مع إسرائيل التي بدأت في ٨ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣، فإنَّ البنك الدولي لا يُقدِّم أيّ معلومة سياقية تشرح طبيعة "النزاع"، أو الكوارث، أو الأزمات المُشار إليها. ولا يظهر مصطلح "الحرب" إطلاقًا في النصّ، باستثناء بعض الاستخدامات النادرة التي تَرِد ضمن المراجع. أمّا بالنسبة لكلمة "إسرائيل" فلا تُذكَر سوى مرّة واحدة، وذلك ضمن هامشٍ توضيحي في أسفلِ الصفحة. وفي وقتٍ سابق، نَشَرَ البنك الدولي أوّل تقييم "مرحلي" في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، وذلك قبل أسبوعَيْن من إعلان وقف إطلاق النار الهشّ بين إسرائيل ولبنان في ٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ (التقييم المرحلي للأضرار والخسائر في لبنان) الذي يتناول أيضًا "أثر النزاع الذي يشهده لبنان" (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ٥)، من دون استخدام مصطلحَيْ "الحرب" أو "إسرائيل" في النصّ.

للوهلة الأولى، قد يبدو أنَّ غياب السياق في التقرير ينتج عن اعتماد حيادية علمية، إذ لا يهدف التقرير إلى تحليل السياق التاريخي أو السياسي للحرب، بل يقتصر مسعاه على إجراء عملية حسابية لتقدير الأثر المالي للنزاع. إلّا أنَّ السياق مهمّ. من جهة، يؤدّي غياب السياق الزمني الواضح إلى صعوبةٍ في فهم سبب اعتبار تقييم آذار/مارس ٢٠٢٥ تقييمًا "ختاميًا"،  ممّا يُفضي إلى حصيلةٍ ختامية "في سياقات ما بعد الكوارث والنزاعات" (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ١٦)، في حين أنَّ الضربات الإسرائيلية على لبنان لا تزال تهزّ البلد، ولفترة طويلة بعد إعلان وقف إطلاق النار. ومن جهة أخرى، أَكَّدَ تقييم احتياجات ما بعد الكوارث الصادر في العام ٢٠٢٥ أنَّه استندَ إلى المنهجية نفسها التي اعتمدها البنك الدولي لتقييم انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ (البنك الدولي ٢٠٢٠أ). ولكنْ، من البديهي أن نُشكِّك في إمكانية تقييم الغزو العسكري كما لو أنَّه انفجار، في وقتٍ لم يُخلِ فيه الجيش الإسرائيلي بعد الأراضي اللبنانية التي احتلَّها مؤخّرًا. فإنَّ الحياد الذي يعتمده البنك الدولي في ما يخصّ عناصر السياق لا يُساعِد في توضيح هذا الالتباس.

لا تقتصر النواقص في تحديد السياق على تقارير البنك الدولي حول لبنان، بل تظهر، وبشكل أكثر تسطيحًا للسياق، في تقاريره المتعلّقة بفلسطين (البنك الدولي ٢٠٢٤ب؛ ٢٠٢٥ب). في شباط/فبراير ٢٠٢٥، نشرَ البنك الدولي تقييمًا مرحليًا يتناول "النزاع" في غزّة وآثاره غير المباشرة (spillover) على الضفّة الغربية، من دون استخدام مصطلح "الحرب" إطلاقًا (البنك الدولي ٢٠٢٥ب). وبالتعاون مع السلطات الفلسطينية، سعى البنك بذلك إلى تحليل امتداد آثار "النزاع" في غزّة (من قطاع إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى)، من دون أن تُؤخذ في الحسبان جرائم الحرب رغم أنَّ وكالات الأمم المتّحدة أقرّت بها، مثل الاستيطان أو الاعتقال التعسّفي لآلاف الفلسطينيين.[3] وقد صدرَ هذا التقرير عقب تقييم آخر نُشِرَ في آذار/مارس ٢٠٢٤، من دون أيّ تنسيق مع السلطات الفلسطينية، وتناولَ "النزاعات" في غزّة (من خلال المقارنة بين نزاع ٢٠٢٣ ونزاعَيْ ٢٠٢١ أو ٢٠١٤)، من دون الإشارة بالتالي إلى الضفّة الغربية (البنك الدولي ٢٠٢٤ب).

ولكنَّ تقارير التقييم الصادرة عن البنك الدولي لا تتجاهل دائمًا عناصر السياق. وبناءً على قراءة مُقارَنة لتقارير البنك الدولي، تسعى هذه الدراسة إلى إظهار تأثير الإطار التاريخي والمكاني والسياسي وحتّى الأيديولوجي لـ "الحدث" الذي يتمّ تقييمه على مكوّنات التقييم، ولا سيّما "المقارنات قبل الحدث وبعده" (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٦٨) والحصيلة النهائية.

في هذا السياق، تحظى المقارنة مع تقارير البنك الدولي حول أوكرانيا بأهميةٍ خاصّة، إذ تُبيِّن أنَّ غياب عناصر السياق يؤثّر على التقييم النهائي، حتى وإن افتُرِضَ أنَّ المنهجية المُعتمَدة موحّدة بما فيه الكفاية لإجراء تقديرات "معمول بها ومُعترَف بها عالميًا"، ولتطوير استجابة منسّقة على المستوى الدولي[4] (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٥٢). في الواقع، منذ اندلاع الحرب بين أوكرانيا وروسيا (شباط/فبراير ٢٠٢٢)، أصدرَ البنك الدولي ٤ تقارير تقييم مرحلية حول الأضرار والخسائر الناتجة عن "الحرب الروسية" و"جرائم الحرب" (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ٦١، ١٦٥- ١٦٦). وذَكَرَ التقييم السريع للأضرار والاحتياجات لعام ٢٠٢٤ بشأن أوكرانيا مصطلح "الحرب" ١٨٤ مرّة، من بينها ٤ مرّات أشارَ فيها بوضوح إلى الآثار الناجمة عن "جرائم الحرب" التي ارتكبتها روسيا (البنك الدولي ٢٠٢٤ج). أمّا بالنسبة لأحدث تقرير صادر في شباط/فبراير ٢٠٢٥، فقد خصَّصَ مساحة أوسع لإبراز طبيعة العنف المُرتكَب وحدّته، في سياق "الغزو" (٩٣ مرّة) الروسي (ذُكِرَت روسيا أكثر من ٥٠ مرّة)، كاشِفًا عن الارتفاع المتسارع في الحصيلة العامّة وفقًا لمراحل الحرب ومساراتها ووتيرة تصاعدها (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٢٤- ٢٥). و"إضافةً إلى الآثار المادّية أو المالية التي يسهل إلى حدٍّ ما قياسُها بشكلٍ كمّي"، يسعى البنك الدولي في هذا التقرير إلى تقديم "وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢[5]" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ١٠).

علاوةً على ذلك، قد يختلف نطاق التقييم في تقارير البنك الدولي بشكلٍ كبيرٍ من سياق إلى آخر، على الرغم من اعتماد المنهجية نفسها. قدّمت لجنة الأمم المتّحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي منهجيةً لتقييم الأضرار والخسائر لأوّل مرّة في العام ١٩٧٢، ثمّ طوّرها لاحقًا كلٌّ من البنك الدولي والاتّحاد الأوروبي والأمم المتّحدة بشكلٍ مشترك، من خلال الاستفادة تدريجيًا من أحدث التقنيات المتقدّمة. تتطلّب عملية جمع البيانات اللازمة للتقييم موارد تقنية ومالية غالبًا ما يصعب على دول متعدّدة الوصول إليها، لا سيّما في سياقات الحروب أو النزاعات المسلّحة. علاوةً على ذلك، قد تطلب أحيانًا بعض الدول ذات الصلة مساعدة تقنية ورسمية من البنك الدولي، إلّا أنَّ البنك وشركاءه قد يتولّون تنفيذ التقييم من دون التنسيق مع السلطات العامّة. ومن الواضح أنَّ الحدود المكانية أو الزمنية أو القطاعية التي يتمحور حولها التقييم تُؤثِّر في الحصيلة المُقدَّرة، إلّا أنَّ فهم القرارات ذات الطابع السياسي التي ترسم هذه الحدود يظلّ أمرًا ضروريًا.

تسمح تقارير البنك الدولي حول الحرب في أوكرانيا و"النزاعات" في غزّة ولبنان، التي نُشِرَت بفارق زمني لا يتجاوز بضعة أشهر، بإجراء قراءة مُقارَنة تُقدِّم رؤية نقدية لمنهجية التقييم المُعتمَدة، والخيارات غير المنهجية المتّخذة (لا سيّما الخيارات ذات الطابع السياسي)، التي تؤدّي إلى تضمين بعض العناصر (الجغرافية، الزمنية، القطاعية...) أو استثنائها من الحصيلة النهائية.

ولا تحاول القراءة المُقارَنة لهذه التقارير التشكيك في أهمية منهجية التقييم التي يعتمدها البنك الدولي، ولا التشكيك في دقّة تقديراته، بل تسعى إلى تقديم رؤية نقدية للبُعد السياسي الذي تقوم عليه، وبالتالي الكشف عن تعدُّد استخداماتها كأدواتٍ في سياق العلاقات الدولية.

في الواقع، لا يمكن اعتبار التصنيف المُعتمَد للحدث الخاضع للتقييم – مهما كانَ المصطلح المُستخدَم للإشارة إليه (نزاع، عنف مسلّح، حرب، غزو، كارثة، صدمة، مأساة...) - عنصرًا منفصلًا عن عملية احتساب الأضرار والخسائر. على العكس، تُبنى الفرضيات المنهجية وتُحتسَب الحصيلة بناءً على فهمٍ مسبق، ولو كانَ ضمنيًا، للطبيعة السياسية للحدث الخاضع للتقييم، حتّى وإن لم يفصح عنه البنك الدولي بشكلٍ واضح في التقارير.

ونظرًا للطابع الانتقائي الذي تتّسم به تقارير البنك الدولي عند تحديد سياقات التقييم، يُعالِج القسمان الأوّل والثاني من هذه الدراسة سياقات الحروب في كلٍّ من أوكرانيا وفلسطين ولبنان من منظور مُقارَن، عبر ربطها بالسياقات السياسية الخاصّة بإعداد تقارير التقييم وصياغتها. أمّا الأقسام اللاحقة (من القسم الثالث إلى السادس)، فتُناقِش على التوالي الاختلافات في تعامل البنك الدولي مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، وقطاعَيْ الصحّة والحماية الاجتماعية، والقطاع العام، والتكلفة البيئية. ويُخصَّص القسم الأخير لمعالجة حالة عدم اليقين المرتبطة بتقديرات البنك الدولي لحصيلة وفيات الحروب والنزاعات، فضلًا عن أوجه عدم المساواة في الاعتراف بوضع الضحايا وحقوقهم/نّ.

 

1-  الحدود المكانية والزمانية: الأُطُر السياسية لتقارير التقييم

تخضع تقارير البنك الدولي، التي غالبًا ما تُعَدّ في سياقات حروب جارية، بشكلٍ كبير لقيود الواقع الميداني، فتُواجِه عملية جمع البيانات تحدّياتٍ متعدّدة تتعلّق بصعوبة الوصول إلى البيانات أو المخاطر الأمنية، فضلًا عن تغيُّر البيانات نفسها تبعًا لتصاعُد أعمال العنف المسلّح. وفي هذا الصدد، يُكرِّر البنك تنبيهاته المنهجية، مُذكِّرًا باستمرار بالحدود السياقية والتقنية والمنهجية والطوبوغرافية التي تُقيِّد نطاق تقييمه (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ١٨؛ البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٢٤).

نظريًا، يسمح أيّ تقييم (مرحلي أو نهائي) للسلطات العامّة والدول المانحة بتقدير التكلفة (الفعلية أو المُحتمَلة) (سواء قبل وقوع الحدث أو بعده)، بالإضافة إلى تحديد أولويات الاستجابة الإنسانية، وتوجيه المساعدات، وتنظيم جهود الإغاثة. أمّا عمليًا، فيُعتبَر الاستخدام السياسي لتقارير التقييم الصادرة عن البنك الدولي أمرًا شائعًا. وبالفعل، يُشير البنك نفسه إلى تعدُّد الشكوك المنهجية والعلمية في تقييماته، بغية تجنُّب أيّ استغلال سياسي لها. ولكنْ، من الواضح أنَّ هذه التقارير تُمثِّل فائدةً كبيرة للدول والوكالات الحكومية الدولية، على الرغم من حدودها المنهجية (أو بسببها إلى حدٍّ ما).

وتَعتمِد تقارير البنك الدولي، بدرجات متفاوتة، على منهجية مشتركة، تُعرَف بـتقييم الأضرار والخسائر، كما أنَّ البنك الدولي يُضيف إليها تقييمًا سريعًا للاحتياجات في بعض الأحيان. وتُطلَق على منهجية تقييم الأضرار والخسائر ومنهجية التقييم السريع للأضرار والاحتياجات تسمية "مرحلية" عندما يُعَدّ التقرير في سياق أحداث لا تزال "جارية". أمّا التقييم النهائي فيُقدِّم حصيلة نهائية من خلال المقارنة بين التكاليف قبل النزاع وبعده.

أخيرًا، يستند التقييم، سواء كانَ مرحليًا أم نهائيًا، إلى مبادئ حسابية تهدف إلى تقدير الأضرار [damages] المادّية والخسائر [losses] الاقتصادية. وتُشير الأضرار إلى تكلفة التدمير الجزئي أو الكلّي للأصول ضمن مختلف القطاعات، وتُقدَّر من خلال المقارنة بينها وبين قيمة استبدالها (كما كانت قبل وقوع الصدمة). أمّا الخسائر فتُمثِّل تغيُّرًا في التدفّقات المالية أو نقصًا في الإيرادات المتوقّعة في المستقبل.

 لا تقتصر الاختلافات بين التقييم النهائي (مثل التقييم الصادر في لبنان في آذار/مارس ٢٠٢٥) والتقييم المرحلي (مثل تقييم الأضرار والخسائر في لبنان أو تقارير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في فلسطين وأوكرانيا) على الإطار الزمني للحدث الخاضع للتقييم (سواء بعد انتهائه أو أثناءه؛ أو قبل وقوعه أو بعده). في الواقع، تقوم عملية تحديد الإطار الزمني والمكاني للتقييمات على فرضيات سياسية (وأيديولوجية) لا يوضّحها البنك الدولي مطلقًا.

بالتالي، قَدَّرَ "التقييم المرحلي للأضرار والخسائر في لبنان" الخسائر المستقبلية المتوقّع أن تتكبّدها القطاعات المختلفة الخاضعة للتقييم في الأشهر الاثني عشر التالية. وفي المقابل، تضمّنت التقارير الأربعة المرحلية الصادرة بشأن أوكرانيا تقديرًا للخسائر المستقبلية المتوقّعة على مدى ثمانية عشر شهرًا (بدلًا من الاثني عشر شهرًا المحدّدة في حالة لبنان).

وبالمثل، يُقدِّر تقييم احتياجات الإنعاش والتعافي (recovery) وإعادة الإعمار تكاليفَ إصلاح البُنى التحتية والخدمات بهدف إعادتها إلى حالتها قبل وقوع الصدمة، مع احتساب تكلفة إضافية لإعادة الإعمار بشكل أفضل (build back better premium). وفي حين تُقدَّر احتياجات لبنان ضمن ثلاث أُطُر زمنية تمتدّ حتّى العام ٢٠٣٠ (وتشمل احتياجات فورية في العام ٢٠٢٥، واحتياجات قصيرة الأمد حتّى العام ٢٠٢٧، واحتياجات متوسّطة الأمد للفترة الممتدّة بين عامَيْ ٢٠٢٨ و٢٠٣٠)، تُحدَّد تقديرات احتياجات أوكرانيا عادةً على مدى ١٠ سنوات. أمّا تقرير التقييم المرحلي السريع لأضرار واحتياجات فلسطين الصادر في العام ٢٠٢٥، فيُقدِّر الاحتياجات المتوسّطة إلى الطويلة الأمد ضمن فترة تتراوح بين ٥ و٨ سنوات (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٢٥).

من المهمّ تسليط الضوء على هذه الفجوات الزمنية في حساب الخسائر والاحتياجات لأنَّ البنك الدولي يزعم اتّباع نفس المنهجية في كلّ مكان، وغالبًا ما يذكر أنَّ كلّ عملية حسابية جديدة تستفيد من العمليات التي سبقتها، إذ يُستخدَم التقييم الذي أُجري في بلدٍ معيّن وفي فترة زمنية محدّدة كمرجع لتعديل التقييمات المستقبلية في سياقات نزاعات أو حروب أخرى. بالتالي، يُشير البنك الدولي إلى أنَّ التقييم النهائي السريع لأضرار واحتياجات لبنان الصادر في آذار/مارس ٢٠٢٥ يستند إلى مؤشّرات بديلة مُستمَدَّة من تقييمات أُجريت في غزّة أو أوكرانيا (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٥٤)، كما أنَّه يسترجِع (أو يُحدِّث) عددًا كبيرًا من النتائج الواردة في التقييم المرحلي للأضرار والخسائر في لبنان، والذي صدر في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ١٦). وبالمثل، يَعتمِد هذا التقييم على منهجيةٍ سبقَ أن "استُخدِمَت بنجاح في عدّة بلدان"، وفي "سياقات مشابهة"، ويُوظِّف بالتالي "مؤشّرات بديلة من بلدان أخرى و/أو من تقييمات مشابهة"، على غرار التقييمات التي أُجريت في غزّة وأوكرانيا (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ١٧– ١٨). ومع ذلك، فإنَّ غياب السياق يجعل فهم أوجه التشابه التي يفترضها البنك الدولي بين الحرب في أوكرانيا والنزاعات في كلٍّ من غزّة ولبنان صعبًا للغاية. والأهمّ من ذلك أنَّه نتيجة غياب توضيح السياق الخاصّ بالبيانات المُدرَجة، يتعذّر فهم التقديرات الحسابية التي تُحتسَب بالاستناد إلى "استقراءات ومؤشّرات بديلة مُستخلَصة من بلدان و/أو سياقات مشابهة"، وفقًا لتصريح البنك الدولي. علاوةً على ذلك، تُجمَع هذه الأرقام عبر مزج وسائل متنوّعة، وتشمل إجراء المقابلات النوعية، وتثليث بيانات وسائل الإعلام، وجمع بيانات موثّقة عبر صور الأقمار الصناعية، أو من خلال تقنية التصوير فوق الطيفي، أو رادار الفتحة التركيبية، فضلًا عن إنتاج بيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي وتنقيحها لاحقًا بشكلٍ يدوي.

لذلك، قبل الشروع في قراءةٍ مُقارَنة لتقارير البنك الدولي، لا بدَّ من تحديد الإطار المكاني والزماني أوّلًا، وذلك بتحليل سياق الأحداث التي يجري تقييمها (الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان) تحديدًا، مقارنةً بالسياق الذي أُعِدَّت فيه تقارير التقييم. وتزداد أهمية إعادة تحديد هذا الإطار مع استمرار تزايُد الحصيلة تزامنًا مع كتابة هذا التقرير، وفي ظلّ صعوبة التوصُّل إلى اتّفاق بين روسيا وأوكرانيا، وبالتزامن مع تجدُّد الضربات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين وخرقها لاتّفاقَيْ وقف إطلاق النار اللذين يتّسمان بالهشاشة (٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ و١٩ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥، على التوالي).

 

2-  تقارير تقييمية في سياقات الحروب أو النزاعات

بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا في ٢٤ شباط/فبراير ٢٠٢٢. ومنذ الأشهر الأولى، شرعَ البنك الدولي في إعداد التقييم السريع للأضرار والاحتياجات، والتقييم المرحلي للأضرار والاحتياجات، ونَشَرَ التقارير بدءًا من أوّل تقريرَيْن في الشهرَيْن الثالث والثاني عشر من الحرب. ونُشِرَ تقييمٌ سريع ثالث للأضرار والاحتياجات في شباط/فبراير ٢٠٢٤ (البنك الدولي ٢٠٢٤ج). أمّا التقرير الأخير، الذي نُشِرَ في شباط/فبراير ٢٠٢٥، فيُغطّي كامل الفترة الممتدّة من شباط/فبراير ٢٠٢٢ إلى كانون الأوّل/ديسمبر ٢٠٢٤ (البنك الدولي ٢٠٢٥ج). أُعِدَّت هذه التقارير بالتعاون مع الاتّحاد الأوروبي والأمم المتّحدة، وهما شريكان معتادان في تقييمات البنك الدولي، كما شاركت الحكومة الأوكرانية بصفة شريك رئيسي في إعداد التقييم وصياغته (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٩)، وذُكِرَت مختلف الوزارات الأوكرانية التي ساهمت في تقديم البيانات أو التحقّق منها، على غرار سجلّ الممتلكات المتضرّرة والمدمّرة التابع للحكومة، والذي "يُكلَّف بتسجيل الأصول المتضرّرة أو التحقّق منها"[6] (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٩٣). أخيرًا، تُعَدّ الحكومة الأوكرانية المستفيد الرئيسي من هذه التقارير. في الواقع، يعرض البنك الدولي كلّ تقرير في خلال مؤتمر عام يُعقَد بحضور السلطات الأوكرانية، والمفوّضية الأوروبية، ودول مانحة أخرى، وذلك في إطارِ فعاليّةٍ سيتمّ التطرّق إليها بمزيدٍ من التفاصيل لاحقًا في هذه الدراسة. وتؤدّي هذه الفعّاليات دورًا محوريًا في ضمان الاعتراف الدولي بالأضرار والخسائر التي تكبّدتها أوكرانيا، كما تُشكِّل محطّة أساسية لدعم الحكومة الأوكرانية في تأمين التمويل اللازم لمجهودها الحربي. وقد صرّحت وزارة المالية الأوكرانية في إعلانٍ عن هذه الفعّالية نُشِرَ على موقعها الرسمي: "يُحدِّد التقرير قيمة التمويل اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار. […] في العام ٢٠٢٤، أُبرِمَ ٢٨ اتّفاقًا بقيمة إجمالية بلغت ٣١ مليار دولار أمريكي، وقُدِّمَ منها مبلغ ٢٢.٩ مليار دولار على شكل مِنَح، وقد استفاد ملايين الأوكرانيين من هذا الدعم في إطار التعاون بين أوكرانيا والبنك الدولي".[7]

في ٧ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣، نفّذت حركة حماس عملية عسكرية دامية عُرفت باسم "طوفان الأقصى"، وأسفرت عن مقتل نحو ١١٣٩ إسرائيليًا، واحتجاز ٢٥١ رهينة، ونقل حوالي ٢٠٠٠ شخص إلى أقسام الطوارئ، أُدخِلَ ٦٣٠ منهم إلى المستشفيات (٥٦% من العسكريين، و٤٤% من المدنيين أو عناصر الشرطة) (غولدمان وآخرون، ٢٠٢٤). وفي ردٍّ على هجمات حماس، والدعم المسلّح الذي قدّمه حزب الله ابتداءً من ٨ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣، شنّت إسرائيل حروبًا واسعة النطاق على كلٍّ من لبنان وفلسطين، ما خلّف تداعيات عسكرية على المنطقة بأكملها (طالت بدرجات متباينة العراق، وإيران، واليمن، وسوريا.)

وفي ٢٩ آذار/مارس ٢٠٢٤، أصدرَ البنك الدولي أوّل تقييم مرحلي بشأن "النزاع" في غزّة، من دون إشراك السلطات الفلسطينية في عملية التقييم. ولم يرد مصطلح الحرب [war] في التقرير على الإطلاق، إذ اعتمد البنك بشكلٍ حصري مصطلح النزاع [conflict] الذي استُخدم ٩١ مرّة في تقريرٍ يتألّف من ٣٢ صفحة.

يتّصف تقرير البنك حول غزّة بنقصٍ ملحوظ، فهو لا يشمل مجمل الأراضي التي طالها "النزاع"، وبالتالي يستثني الأعمال الحربية التي ارتُكبت خارج قطاع غزّة، ولا سيّما عمليات الاستيطان في الضفّة الغربية. ويُشدِّد البنك الدولي مرارًا في تقريره على ضرورة إجراء تقييم جديد يشمل الضفّة الغربية، وذلك "عندما تتحسّن الأوضاع الأمنية" (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص. ٤؛ ص. ٢١؛ ص. ٢٤). وعليه، في شباط/فبراير ٢٠٢٥، أصدرَ البنك الدولي بالفعل تقييمًا مرحليًا سريعًا وجديدًا للأضرار والاحتياجات، تناولَ الحرب في غزّة وتأثيراتها غير المباشرة على الضفّة الغربية (البنك الدولي ٢٠٢٥ب). وعلى غرار التقرير السابق، لم يتطرّق التقرير الجديد إلى قضايا الاستيلاء على الأراضي، أو مصادرة الممتلكات، أو التدمير المنهجي للأراضي الصالحة للزراعة، ولا حتّى أعمال التوسُّع الاستيطاني في الضفّة الغربية، على الرغم من أنَّ جزءًا كبيرًا من المجتمع الدولي، بما فيه فرنسا وإسبانيا،[8] اعتبرَ هذه الممارسات بمثابة "جرائم حرب" وأدانها. بالتالي، وفقًا للبنك الدولي، يُقدَّر إجمالي الأضرار والخسائر التي تكبّدها قطاع الأراضي في فلسطين بنحو ١٣٠ مليون دولار أمريكي فقط، استنادًا إلى تقييمٍ لم يتناول مسألة "الوصول إلى الأرض" في حساباته. فـ"نظرًا لفقدان الوثائق واحتمال خسارة الملكيات، تسود حالة من عدم اليقين الطويلة الأمد بشأن حيازة الأراضي وحقوق الملكية"، حيث حرصَ البنك الدولي على الإشارة إلى أنَّه، وقبل اندلاع الحرب، لم تمتلك سوى نسبة ٣٨% من الفلسطينيين/ات وثائق قانونية تُثبت ملكية أراضيها[9] (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٥٣). وهكذا، بدلًا من تضمين التكاليف المرتبطة بالمُصادَرات الجديدة للأراضي الفلسطينية من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، والتي تتسارع منذ ٧ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣، فإنَّ البنك الدولي يحذفها ببساطة بسبب عدم اليقين المنهجي بدون أيّ توضيح أو تفسير، والذي لا يمكن تفسيره بدون العودة إلى السياق المحدّد للاستعمار الطويل الأمد.

أخيرًا، مع دخول الحرب الإسرائيلية في لبنان شهرها الرابع عشر،[10] أصدرَ البنك الدولي تقييمًا مرحليًا أوّليًا (تقييم الأضرار والخسائر في لبنان) من دون إشراك السلطات اللبنانية. وفي حين لم يرد مصطلح "الحرب" [war] أو اسم "إسرائيل" إلّا في عناوين بعض المقالات المُدرَجة ضمن قائمة المراجع، استُخدم مصطلح "النزاع" [conflict] ١٠٣ مرّات في التقرير الذي يتألّف من ٤٠ صفحة. واعتمدَ التقرير تاريخ ٨ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣ كنقطة انطلاق، وحدَّدَ تاريخَيْن كحدٍّ للتقييم، وهما: ٢٧ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٤ لقطاعَيْ الزراعة والبيئة، و٢٨ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٤ لسائر القطاعات الرئيسية (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ٥). وفي آذار/مارس ٢٠٢٥، أصدرَ البنك الدولي تقييمه الثاني، وهو التقييم النهائي للأضرار والخسائر الناجمة عن "النزاع" في لبنان، وتضمَّنَ التقييم تقديرًا لاحتياجات التعافي (recovery) وإعادة الإعمار بالاستناد إلى منهجية تقييم احتياجات ما بعد النزاع (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ١٦). وبحسب البنك الدولي، تمّ إعداد هذا التقرير لعام ٢٠٢٥ بناءً على طلب السلطات اللبنانية وبالتعاون مع المجلس الوطني اللبناني للبحوث العلمية (CNRS-L) (البنك الدولي ٢٠٢٥ أ، ص. ٩).

ومن ثمّ، فإنَّ تقارير البنك الدولي في أوكرانيا تُركِّز صراحةً على تقييم جرائم الحرب التي ارتكبتها روسيا كما وثّقتها وتحقّقت منها السلطات الأوكرانية. أمّا في لبنان وفلسطين، تتناول تقارير البنك الدولي نزاعاتٍ مُجرَّدة من سياقها، ولا تتحدّث عن أيّ حروب أو جرائم الحرب. وهذا الاختلاف ليسَ شكليًا؛ فكما سنوضح لاحقًا، تختلف تقارير البنك الدولي من حيث الأهمية الممنوحة للسلطات العامّة ومصادر معلوماتها، لا بل أيضًا من حيث عدد القطاعات المُدرَجة، والعناصر الخاضعة للتقييم في كلّ قطاع، فضلًا عن النطاقَيْن الجغرافي والزمني المُعتمَدَيْن في العمليات الحسابية.

 

3-  وضع ضحايا الحروب: توجيه التركيز نحو العنف القائم على النوع الاجتماعي

من الواضح أنَّ أيّ تقييم يتناول موضوع "نزاع"، مثل التقارير الخاصّة بغزّة أو لبنان، سيُواجِه صعوبةً في احتساب التكاليف المرتبطة بـ "جرائم الحرب"، والتي تمّ تضمينها في تقارير البنك الدولي المتعلّقة بأوكرانيا. بناءً على ذلك، تتضمّن التقارير الأربعة الخاصّة بأوكرانيا بشكل شامل جميع الأضرار والخسائر التي تكبّدها البلد في ظلّ حالة الحرب، بما في ذلك في المناطق أو القطاعات التي لم تتأثّر بشكلٍ كبير بالغزو الروسي. وبالمثل، تشمل هذه التقارير دائمًا في حساباتها تأثير "الغزو الروسي" على المدنيين والعسكريين الأوكرانيين، فضلًا عن التكلفة التي تكبّدتها الدولة الأوكرانية في إطار مجهودها الحربي، أو احتياجاتها لإعادة التسلّح، أو جهودها الرامية إلى إغاثة السكّان المتضرّرين من الحرب. وتتضمّن هذه التقارير (وبشكلٍ مبرّر) التكاليف المرتبطة بجرائم الحرب الروسية، بما في ذلك عمليات الترحيل أو التهجير القسري للأوكرانيين (وبشكلٍ خاصّ النساء والأطفال) إلى روسيا أو بيلاروسيا، كما وثّقتها الحكومة الأوكرانية. بالتالي، تَعتمِد التقارير الخاصّة بأوكرانيا مقاربةً أكثر طومحًا تتجاوز مجرّد تقييم الأضرار والخسائر.

تُقدِّم هذه التقارير، التي أُعِدّت بالتنسيق مع الحكومة الأوكرانية، وبالاستناد إلى بياناتها ومصادرها الخاصّة للتحقّق من المعلومات، اقتراحًا واضحًا بإجراء تقييم لجرائم الحرب التي ارتكبها الغزو الروسي، بهدف تسليط الضوء على حقوق السكّان والسلطات الأوكرانية بصفتهم "ضحايا حرب". على سبيل المثال، لا يقتصر تقييم العنف القائم على النوع الاجتماعي في أوكرانيا على تبنّي مقاربة قائمة على حقوق الإنسان فحسب، بل ينطوي أيضًا على إدانةٍ "لأعمال العنف الجنسي التي ارتكبها الجنود الروس" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٩٠)، ممّا يؤدّي إلى إدراج "العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والاتجار بالبشر" ضمن عناصر العنف القائم على النوع الاجتماعي (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٤٠).

ولكنْ، التزمَ تقرير البنك الدولي بشأن فلسطين صمتًا مُدهِشًا حيال مسألة العنف الجنسي المرتبط بالنزاع "conflict-related sexual violence". لم يتناول العنف القائم على النوع الاجتماعي إلّا باعتباره نتيجةً ثانوية مرتبطة بتفاقُم هشاشة النساء والتقاطعية الجنسية في زمن النزاع، أو نتيجة للعنف التقليدي الذي يرتكبه الرجال الفلسطينيون ضدّ النساء. وبناءً على ذلك، وفقًا للبنك الدولي، فإنَّ العنف القائم على النوع الاجتماعي في فلسطين هو في المقام الأوّل شأن داخلي خاصّ بالفلسطينيين/ات في ما بينهم/نّ ويتفاقم في أوقات النزاعات، إذ "تتعرّض نصف النساء المتزوّجات للعنف" (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٥٦). ولا عجب إذًا أنَّ توصيات البنك الدولي تُركِّز بالدرجة الأولى على ضرورة وضع خطط للوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي وتنظيم جلسات توعية حوله، وتوجيهها للرجال والفتيان الفلسطينيين بشكلٍ خاصّ (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٥٧). وبما أنَّ المشكلة تُعتبَر عمومًا مسألة داخلية تخصّ المجتمع الفلسطيني، يرى البنك الدولي أنَّ "مرحلة التعافي ستُقدِّم فرصةً لمعالجة أوجه عدم المساواة المنهجية، وضمان وضع النساء والفتيات في صُلب جهود إعادة الإعمار" (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٥٧). أمّا بالنسبة لأعمال العنف الجنسي التي تفرضها الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين والفلسطينيات، فلم تُذكَر إطلاقًا في تقارير البنك الدولي. ومع ذلك، تمّ توثيق استخدام العنف الجنسي ضدّ النساء الفلسطينيات (وبدرجة أقلّ ضدّ الرجال) بشكلٍ واسع، إلى حدّ أنَّ تقريرًا استقصائيًا صَدَرَ حديثًا عن الأمم المتّحدة اعتبره جريمة ضدّ الإنسانية: "تستنتج اللجنة، استنادًا إلى أدلّة وجيهة، أنَّ الحالات التي قام فيها عناصر من قوّات الدفاع الإسرائيلية باستهداف نساء وفتيات بشكل مباشر تُعَدّ انتهاكًا للحقّ في الحياة. وعلاوةً على ذلك، تُشكِّل هذه الأفعال جريمةً ضدّ الإنسانية" (الأمم المتّحدة ٢٠٢٥، ص. ٣٧).

إنَّ المكانة غير المتساوية التي تُمنَح للنساء الأوكرانيات والفلسطينيات ضحايا العنف الجنسي في تقارير البنك الدولي تُسلِّط الضوء على هذا الانتقال من تقييمٍ في سياق حرب، كما هو الحال في تقرير أوكرانيا، إلى تقييمٍ في إطار "أزمة إنسانية حادّة"[11] كما هو الحال في تقرير فلسطين (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص. ١). فبدلًا من اعتبار الفلسطينيات ضحايا لسلسلة من الحروب المتكرّرة، وبالتالي ضحايا لجرائم حرب، أو حتّى لجرائم ضدّ الإنسانية، يَعتبِر التقييم هؤلاء النساء ضحايا "أزمات إنسانية" تتفاقم حدّتها اليوم في ظلّ "النزاع" (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص. ١-٢، ص. ١٨)، إذ "يتفاقم خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بفعل النزوح الداخلي الجَمَاعي" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ١٩).

وبدورهما، يُشكِّل قطاع الصحّة وقطاع الحماية الاجتماعية مثالًا نموذجيًا على هذا الانتقال من تقييمٍ في سياق حرب (مثل تقرير أوكرانيا) إلى تقييماتٍ في سياق نزاعات وأزمات إنسانية (مثل تقارير كلّ من غزّة ولبنان). وليسَ الاختلاف محصورًا بالخيارات الدلالية فحسب؛ بل يترتّب عن هذا الانتقال اعتماد عناصر مختلفة من الفئات "القابلة للرصد" عند إعداد التقييم، وينعكس ذلك مباشرةً على الحصيلة النهائية.

 

4-  توجيه التركيز نحو قطاعَيْ الصحّة والحماية الاجتماعية في زمن الحروب أو النزاعات

استنادًا إلى افتراض انضمام أوكرانيا إلى الاتّحاد الأوروبي في المستقبل، يُدرِج البنك الدولي في تقييماته الاحتياجات المستقبلية لتأمين الحماية الاجتماعية، بما يتماشى مع المعايير الأوروبية. بالتالي، تشمل تكلفة الحرب التي يُقدِّرها البنك الدولي في أوكرانيا تكاليف الحماية الاجتماعية، وبشكلٍ خاصّ رعاية جرحى الحرب عبر نظام الضمان الاجتماعي وبرامج المساعدات للفئات المتضرّرة. ومع ذلك، يُستثنى هذان البعدان بالكامل من تقارير العام ٢٠٢٤ الخاصّة بلبنان وغزّة. ويُعزى هذا الاستثناء، الذي ينجم عن طريقة الإعداد في "تقرير التقييم المرحلي للأضرار في غزّة"، إلى اقتصار التقييم على الأضرار حصرًا، من دون احتساب الخسائر الاقتصادية (البنك الدولي ٢٠٢٤ب). ولكن، كيف يمكن تفسير استثناء الخسائر المتعلّقة بالحماية الاجتماعية من تقارير البنك الدولي الخاصّة بلبنان؟

في أوكرانيا، قدّر البنك الدولي خسائر قطاع الحماية الاجتماعية وحده في العام ٢٠٢٥ بأكثر من ١٤,٤ مليار دولار أمريكي، بالمقارنة مع خسائر قطاع الصحّة التي بلغت ١٩,٦ مليار (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٣٨)، وهو مبلغ يتجاوز إجمالي الأضرار والخسائر التي تكبّدتها جميع القطاعات في لبنان، والتي قُدِّرَت بقيمة ١٤ مليار دولار أمريكي (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٩). لا شكَّ في أنَّ أحجام الدمار في أوكرانيا ولبنان غير قابلة للمقارنة. ولكنْ، ما يُثير الريبة فعليًا عند مقارنتها ليسَ التفاوت في التكاليف الاقتصادية، بل القرار، الذي يتّخذ طابعًا سياسيًا بامتياز، بشأن استثناء قطاع الحماية الاجتماعية بالكامل في لبنان. ولكنْ، في أوقات الحرب، لا يمكن اعتبار الخسائر التي يتكبّدها قطاع الحماية الاجتماعية، وحتّى في بلدٍ تُؤمِّن فيه الدولة حمايةً ضعيفة مثل لبنان، أمرًا ثانويًا على الإطلاق. فكيف يمكن أن نُفسِّر استبعاد الحماية الاجتماعية من تقييم الحرب الإسرائيلية في لبنان، في حين أنَّ رعاية ضحايا الحرب تُشكِّل عبئاً ثقيلًا على مالية الدولة؟

من جهة، يؤكّد البنك الدولي في "تقييم الاحتياجات ما بعد الكوارث" الصادر في العام ٢٠٢٥ أنَّه حَدَّدَ القطاعات الخاضعة للتقييم بناءً على ما فرضته الحكومة اللبنانية نفسها (البنك الدولي ٢٠٢٥أ). ومن جهة أخرى، فإنَّ التقييم المرحلي للأضرار والخسائر في لبنان لعام ٢٠٢٤ - الذي لم يُنجَز بناءً على طلب من الحكومة - لم يشمل أيضًا قطاع الحماية الاجتماعية (البنك الدولي ٢٠٢٤أ).

يستثني التقريران المتعلّقان بلبنان قطاع الحماية الاجتماعية من نطاقهما. ومع ذلك، فقد أُدرِجَت جزئيًا تغطية المُصابين/ات أو إمكانية حصول النازحين/ات على الرعاية، وخاصّةً غير المضمونين/ات، بالإضافة إلى التكاليف المتعلّقة بآليات استعادة هذه الخدمات (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص ٣٩).

قَدَّرَ البنك الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ مجموع الأضرار والخسائر التي تكبّدها قطاع الصحّة في لبنان بمبلغ ٤١٢ مليون دولار أمريكي (موزّع على الشكل التالي: ٧٤ مليون دولار أمريكي كأضرار و٣٣٨ مليون دولار أمريكي كخسائر). وقد قُدِّرَ المبلغ في التقييم النهائي الصادر في آذار/مارس ٢٠٢٥ بـ ٩٠٨ ملايين دولار، ويشمل ٢٠٨ ملايين للأضرار و٧٠٠ مليون للخسائر. وفي التقريرَيْن، يقتصر تقييم الأضرار في قطاع الصحّة على الدمار المادّي الذي طالَ مرافق الرعاية الصحّية. أمّا بالنسبة للخسائر، فتنجم عن ارتفاعٍ إضافي في تكاليف الرعاية الصحّية بسبب الإصابات والأمراض المرتبطة بالنزاع والنزوح (وبلغت هذه التكاليف ٤٥ مليون دولار أمريكي في العام ٢٠٢٤ بالمقارنة مع ٥١ مليون دولار في العام ٢٠٢٥)، وانخفاض الإيرادات بسبب توقُّف المرافق الصحّية عن العمل (وقُدِّرَت بقيمة ٢٠١ مليون دولار في ٢٠٢٤ بالمقارنة مع ٦٠٥ ملايين دولار في ٢٠٢٥)، والنقص في العاملين/ات في مجال الصحّة القادرين/ات على تقديم خدمات الرعاية الطبّية اللازمة، ما أدّى إلى ارتفاع معدّلات الوفاة والمرض (وبلغت ٩١ مليون دولار أمريكي في ٢٠٢٤ بالمقارنة مع ٤٤ مليون دولار أمريكي) (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ١١؛ البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٣٩). بالتالي، حافظَ التقييم النهائي على الفرضيات التحليلية نفسها، ولكن ارتفعت التكلفة المُقدَّرة.

وينبغي المقارنة بين هذه الحصيلة النهائية المتدنّية للأضرار والخسائر في قطاع الصحّة وبين التقديرات التي صدرت عقب انفجار مرفأ بيروت في العام ٢٠٢٠، إذ قَدَّرَ البنك الدولي خسائر قطاع الصحّة بمبلغ يتراوح بين ٢٠٠ و٢٤٥ مليون دولار أمريكي، والأضرار بمبلغ يتراوح بين ٩٥ و١١٥ مليون دولار أمريكي (البنك الدولي ٢٠٢٠أ، ص. ٤٣)، في حين أنَّ احتياجات الحماية الاجتماعية قُدِّرَت بمستوى يتجاوز نصف احتياجات قطاع الصحّة (البنك الدولي ٢٠٢٠أ ، ص ٤٦).

ومع ذلك، فقد تجاوز عدد الوفيات المسجّل في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ ما لا يقلّ عن ١٥ ضعف عدد ضحايا انفجار مرفأ بيروت في العام ٢٠٢٠. وعلى وجه الخصوص، أسفرَ انفجار أجهزة الاتّصال اللاسلكي/البيجر في ١٩ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٤ عن تسجيل آلاف حالات إعاقة جديدة. وفي السياق نفسه، قامت وزارة الصحّة بتغطية جميع تكاليف رعاية جرحى الحرب (بما في ذلك جرحى انفجار أجهزة الاتّصال اللاسلكي/البيجر)، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصّة. علاوةً على ذلك، شهد العام ٢٠٢٥ مستوى غير مسبوق من الدمار في المنشآت الصحّية، إذ دُمِّر بالكامل ٢٩٨ مرفقًا طبّيًا (بما في ذلك مستشفى واحد، و١٢١ عيادة أسنان، و٦٠ صيدلية، و٣٤ مركز تنمية اجتماعية)، وتعرّض ٥٨٧ مرفقًا آخر لأضرار (بما في ذلك ٣٩ مستشفى) (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٣٩).

وكما ذُكِرَ سابقًا، لا يهدف هذا التحليل إلى التشكيك في وسائل التقييم التي يعتمدها البنك الدولي، ولا التشكيك في دقّة تقديراته (الحصيلة العامّة)، بل إلى تسليط الضوء على الخيارات ذات الطابع السياسي التي تحكم عملية إعداد هذه التقييمات، ويبرز ذلك بشكل خاصّ في مسألة القرار السياسي بإدراج الخسائر التي تكبّدتها مؤسّسة الضمان الاجتماعي وغيرها من الهياكل الحكومية المعنيّة بالحماية الاجتماعية في لبنان ضمن التقرير (في عام ٢٠٢٠) أو استثنائها منه (في ٢٠٢٤ و٢٠٢٥). على نطاقٍ أوسع، وبعكس التقارير بشأن أوكرانيا، لا تشمل تقييمات البنك الدولي في لبنان أثر الحرب الإسرائيلية على الصحّة العامّة، ولا على مالية الدولة اللبنانية. بذلك، يبدو أنَّ تقارير البنك الدولي تغفل القطاع العام اللبناني، بأضراره وخسائره، أو حتّى احتياجاته التمويلية المستقبلية. بالتالي، تقتصر أضرار القطاع العام، في تقييم الاحتياجات لعام ٢٠٢٥، على البلديات والخدمات العامّة.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن ربط الاختلاف في طريقة تناول البنك لقطاعَيْ الصحّة والحماية الاجتماعية في أوكرانيا من جهة، ولبنان وغزّة من جهة أخرى، بمجرّد قيود منهجية. فكما يُبيِّن القسم التالي، ينجم هذا التفاوت عن انحياز إيديولوجي وسياسي مرتبط بالمكانة التي يوليها البنك للدول المعنيّة في تقارير التقييم المختلفة، وهو انحياز يؤثّر بشكلٍ مباشر على وضع الضحايا وحقوقهم/نّ، وينعكس على حجم الحصيلة العامّة الناتجة عن عملية التقييم.

 

5-  حقّ الدولة شرط مسبق لتأمين حقوق الضحايا

في أعقاب الغزو الروسي، أعلنَ مجلس أوروبا عن إنشاء سجلّ دولي للأضرار الناجمة عن العدوان الروسي على أوكرانيا، وذلك بموجب القرار CM/Res (٢٠٢٣). بالتالي، "فإنَّ الإجراءات والأساليب المُعتمَدة لتقييم الأضرار والخسائر الناتجة عن الحرب الروسية محدّدة ضمن عدد من الوثائق التنظيمية" (زهوك وآخرون، ٢٠٢٣، ص. ٢٠٤). أمّا في حالتَيْ لبنان وغزّة، فيُنفِّذ البنك الدولي هذه العملية خارج أيّ إطار تنظيمي، وأحيانًا من دون إجراء أيّ تنسيق مع السلطات المحلّية، كما حصلَ في التقييمات الصادرة في العام ٢٠٢٤، ممّا يترك للجهات المُقيِّمة حرّية تحديد عناصر التقييم (التي يجب تضمينها أو استثناؤها).

وفي السياق نفسه، ومن خلال التنسيق مع الدولة، تستند تقارير التقييم التي يُعِدُّها البنك الدولي في أوكرانيا إلى مقاربة قائمة على الحقوق، إذ تُراعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي تهدف إلى حماية حقوق الضحايا أو استردادها. فمن جهة، يشمل التقييم التكاليف التي تكبّدتها وزارة الدفاع الأوكرانية في مقاومتها للغزو الروسي، أو في جهودها الرامية إلى إغاثة المدنيين. ومن جهة أخرى، يقيس البنك الدولي آثار الحرب في أوكرانيا من منظور حقوق الإنسان، مُدرِجًا (وبشكل مبرّر) فئتَيْن أساسيتَيْن: حقوق المحاربين القدامى الأوكرانيين وأُسَرهم، وأثر الحرب على حماية الأطفال، لا سيّما في سياق عمليات الترحيل القسري، إذ "خضع ١٩٥٤٦ طفلًا أوكرانيًا للتهجير أو الترحيل القسري إلى روسيا" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٢٤).

في المقابل، لم تشمل تقييمات البنك الدولي المتعلّقة بلبنان أو غزّة التكاليف المرتبطة بتأمين حقوق الضحايا وحمايتهم/نّ. فلم تَرِد كلمة «حقّ» مطلقًا في تقرير البنك الدولي حول لبنان، في حين استُخدِمَت أكثر من ثلاثين مرّة في التقرير الصادر في العام ٢٠٢٤ حول أوكرانيا (البنك الدولي ٢٠٢٤ج). وعلى الرغم من تكبّد الجيش اللبناني خسائر اقتصادية وبشرية، لم يحتسب البنك الدولي في تقاريره أيّ تكلفة مرتبطة بالمجهود الحربي (سواء تلك التي تكبّدتها وزارة الدفاع، أو حتّى تلك التي تحمّلها حزب الله). ولم تُقيَّم أيضًا الأضرار والخسائر التي لحقت بالمؤسّسات غير العسكرية التابعة للحزب (مثل مؤسّسة القرض الحسن، وهي إحدى أبرز المؤسّسات المالية غير المصرفية في لبنان، والتي استهدفتها إسرائيل بشكلٍ متكرّر). وفي كلّ من لبنان وفلسطين، يبقى المحاربون القدامى وأُسَرهم خارج نطاق التقييم، تمامًا مثل أسرى الحرب.

وأخيرًا، تُناقَش التقارير المتعلّقة بأوكرانيا قبل أن تعتمدها الحكومة الأوكرانية، نظرًا للدور المحوري الذي تؤدّيه في المفاوضات المتعدّدة الأطراف، والتي تتناول آليات المساعدة الدولية، سواء كانت إنسانية أو حتّى عسكرية. وبفضل الاعتراف بالوضع القانوني للسكّان والمؤسّسات الأوكرانية كضحايا حرب، تُربَط الأضرار والخسائر التي يتكبّدونها بحقّهم/نّ في جبر الضرر. وأثناء العرض المشترك للتقييم السريع الثالث للأضرار والاحتياجات، الذي عُقِدَ في شباط/فبراير ٢٠٢٤ بتنظيم من البنك الدولي والحكومة الأوكرانية، أعرب رئيس الوزراء دينيس شميهال عن تقديره للتقرير الذي قدّم آليات أوّلية من أجل التعويض (مثل تجميد الأصول الروسية، وخصوصًا في فروع المصارف الروسية في أوكرانيا). وأضاف قائلًا إنَّ "نتائج التقييم السريع الثالث للأضرار والاحتياجات ستُساهِم في تنفيذ برنامج تسهيلات أوكرانيا، الذي وافق عليه البرلمان الأوروبي ومجلس الاتّحاد الأوروبي، وينصّ على تخصيص مبلغ قدره ٥٠ مليار يورو على مدى ٤ سنوات".[12]

لا شكَّ في أنَّ تقارير البنك الدولي لا تهدف بطبيعتها إلى تشكيل وثائق ثبوتية تولّد حقوقًا أو تعويضات.[13] ومع ذلك، فإنَّها تعكس اختلافًا جوهريًا في مستوى الاعتراف بوضع الضحايا والحقوق المرتبطة بحمايتهم/نّ.

بالتالي، يؤدّي الإطار القانوني الذي حدّدته المفوّضية الأوروبية لتقييم الوضع في أوكرانيا إلى إنشاء سجلّ دولي لـ«لأضرار والخسائر»، من شأنه أن يُرسِّخ، ولأجيال قادمة، حقّ الشعب الأوكراني في مواجهة فظائع «جرائم الحرب» التي تَسَبَّبَ بها الغزو الروسي. وفي مقدّمة هذه الفظائع، يورد البنك جرائم الترحيل غير القانوني للسكّان الأوكرانيين، أو إجراءات حرمانهم/نَّ من الحرّية في المناطق المحتلّة[14] (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ٦١)، بالإضافة إلى التكاليف الناتجة عن مقتل الصحافيين/ات الأوكرانيين/ات، والخسائر التي لحقت بقطاعَيْ الإعلام والاتّصالات. ولتغطية هذه التكاليف، يتضمّن تقييم البنك أيضًا تقديرًا لتكاليف إعادة تسليح أوكرانيا، بالإضافة إلى التكاليف التي تكبّدتها الإدارات الحكومية (وبشكلٍ خاصّ وزارة العدل) في إطار جهودها الرامية إلى التحقيق في جرائم الحرب أو توثيقها (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ١٦٥).[15]

علاوةً على ذلك، لا ينبغي أن تحجب الحيادية المزعومة في الفرضيات المنهجية وظيفة تقارير التقييم، فهي أدوات تُستخدَم لتيسير المفاوضات المتعدّدة الأطراف والعلاقات الدولية. ولا تقتصر وظيفة هذه التقارير على التأثير في مكانة الدولة ضمن آليات المساعدة الدولية، بل تتعدّى ذلك، لتتطرّق مباشرةً إلى مسألة الاعتراف الدولي بحقوق الضحايا وأوضاعهم/نّ القانونية. فكيف يمكن، على سبيل المثال، المطالبة بالحقوق المرتبطة بجرائم الحرب، أو الإبادة الجَمَاعية، أو الجرائم ضدّ الإنسانية في غزّة، في حين تكتفي تقييمات البنك الدولي بتقدير أثر «النزاع» من خلال إجراء مقارنة كمّية بسيطة (للتكلفة المالية) بينه وبين «نزاعات العام ٢٠١٤» و«نزاعات العام ٢٠٢١»؟ من جهة، يعكس هذا الانحياز الإيديولوجي صورة مشوّهة لحصيلة الحرب، إذ تؤثّر عناصر التحليل في الفئات "القابلة للرصد" التي يزعم التقرير قياسها. ومن جهة أخرى، يُهدِّد هذا الانحياز بتحويل التقييم إلى أداة لإنكار جرائم الحرب (بل وحتّى جرائم الإبادة الجَمَاعية)، كما يتّضح، على سبيل المثال، في خطر إنكار جرائم الإبادة البيئية الناجمة عن الحرب.

 

6-   الثغرات البيئية في تقارير البنك الدولي حول لبنان وغزّة

يُمثِّل تضمين أو استثناء بعض الكوارث البيئية الناجمة عن الحرب، وتأثيراتها المستقبلية على حياة البشر، مثالًا إضافيًا على الانتقائية التي يعتمدها البنك الدولي في احتساب الأضرار والخسائر، وبالتالي يكشف عن خطر إنكار بعض أشكال جرائم الإبادة، وبشكلٍ خاصّ الإبادة البيئية.

في هذا السياق، شملت الحسابات المُقدَّرة ضمن التقارير حول أوكرانيا جميع التكاليف المرتبطة بإدارة مخاطر المتفجّرات، بالإضافة إلى تكاليف الموارد البشرية اللازمة لإعادة تأهيل الأراضي المتضرّرة من الحرب في مرحلة ما بعد النزاع. وفي المقابل، ترتبط الآثار البيئية الناجمة عن الحروب في كلٍّ من لبنان وغزّة، بشكل رئيسي، بأزمات إدارة النفايات الناتجة عن الدمار أو نزوح السكّان. بالتالي، أشارَ التقييم المرحلي في لبنان لعام ٢٠٢٤ إلى أنَّ «قطاع البيئة، ونتيجة تدهور الموارد الطبيعية وتأثير ذلك على إدارة النفايات الصلبة، تكبّد أضرارًا بلغت قيمتها ٢٢١ مليون دولار، وخسائر تَصِل إلى ٢١٤ مليون دولار» (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ٥). أمّا التقييم النهائي الصادر في العام ٢٠٢٥، فحافظ على الفرضيات نفسها، إنَّما ارتفعت قيمة الحصيلة المُقدَّرة بشكل واضح، إذ بلغت تكلفة الأضرار ٥١٢ مليون دولار أمريكي، ووصلت الخسائر إلى ٧٩٠ مليون دولار أمريكي (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٣٦).

بالمثل، كَشَفَ التقييم المرحلي الصادر في العام ٢٠٢٤ بشأن غزّة أنَّ التكلفة البيئية المُقدَّرة، والتي اقتصرت على احتساب الأضرار (من دون احتساب الخسائر)، بلغت ٤١١ مليون دولار أمريكي، نتيجة الأضرار البيئية التي «تؤثّر سلبًا على الأصول المادّية مثل المناطق الساحلية، والمياه، والتربة، وحقول الزراعة، ومحميّة وادي غزّة الطبيعية، بالإضافة إلى الخدمات البيئية الحيوية» (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص. ١٦). أمّا في التقييم الأحدث الصادر في العام ٢٠٢٥، فقد تراجعت التكلفة البيئية بشكلٍ ملحوظ، إذ قُدِّرت الأضرار بنحو ٩٢ مليون دولار أمريكي، والخسائر بنحو ١٦٥ مليون دولار أمريكي. ولا جدوى من محاولة تفسير هذا التراجع بين التقريرَيْن، لا سيّما أنَّ البنك نفسه يُذكِّرُنا بأنَّ «القصف المتواصل للمباني المدنية وَلَّدَ حجمًا هائلًا من الركام (يتراوح بين ٤١ و٤٧ مليون طن حتّى الآن)، وأنَّ المُلوِّثات المُنبعِثة عن مخلفات المتفجّرات تنتشر في البيئة» (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٥٠).

يُشكِّل ذلك حصيلةً متواضعة للغاية بالمقارنة مع الأضرار البيئية الناتجة عن عشرات آلاف الأطنان من المتفجّرات التي أطلقها الجيش الإسرائيلي، والتدمير المنهجي للتربة، الذي يعتبره بعض الخبراء شكلًا من أشكال الإبادة البيئية الفعلية.[16]

Anchorبالتالي، تستثني تقارير البنك الدولي حول غزّة ولبنان جميع الآثار الاقتصادية والبيئية المرتبطة باستخدام الأسلحة غير التقليدية. علاوةً على ذلك، لم تُدرَج أيّ من التكاليف، سواء الحالية أو المستقبلية، التي تتحمّلها البيئة أو الصحّة العامّة نتيجة هذا الاستخدام، ضمن حسابات البنك. واستثنى التقييم المرحلي في لبنان لعام ٢٠٢٤ أيضًا استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض، على الرغم من آثاره الطويلة الأمد على الصحّة، والبيئة، والحماية الاجتماعية، وذلك بحُجّة «أنَّه تَعَذَّرَ على البنك الدولي التحقّق من استخدامه بشكل مستقلّ وعلمي[17] [...] ولم يتمكّن أيّ محقّق دولي مستقلّ آخر من ذلك» (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ١٤). أمّا بالنسبة لتقييم العام ٢٠٢٥ فلم يأتِ على ذكر المسألة إطلاقًا.

ومع ذلك، بدأت الحكومة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، ومنذ أكثر من عام، بإصدار تقارير علمية منتظمة توثّق الأضرار البيئية التي تسبّبت بها الحرب (فضلًا عن تحديد المواقع الجغرافية للهجمات الإسرائيلية، وعددها، وشدّتها، واستهدافها المنهجي للموارد الطبيعية، لا سيّما المياه...)، وترصد هذه التقارير بدقّة زمان ومكان استخدام الأسلحة غير التقليدية، بما في ذلك الفسفور الأبيض.

فضلًا عن ذلك، يُجري المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، ومركز الأبحاث المستقلّ "استوديو أشغال عامّة" من خلال خريطته التفاعلية، رصدًا علميًا لأثر الحرب على البيئة، ويُشدِّد على الاستخدام الكثيف للفوسفور الأبيض.[18] وتتوافق هاتان الجهتان المحلّيتان على المواقع الجغرافية للهجمات بالفوسفور الأبيض، والتي تشمل مختلف القرى الحدودية.

من جهة أخرى، أثبتت مصادر دولية مستقلّة استخدام الفسفور الأبيض، الأمر الذي يُناقِض تحفّظات البنك الدولي المزعومة. وبالفعل، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش[19] ومنظّمة العفو الدولية[20] استخدام الفوسفور الأبيض على طول الحدود اللبنانية، وأصدرت الإسكوا بالتعاون مع برنامج الأمم المتّحدة للمستوطنات البشرية تقريرًا في آب/أغسطس ٢٠٢٤ يؤكّد ما يلي: "أتلفت القنابل الفوسفورية والحارقة، المُستخدَمة في الاعتداءات، المزروعات في جنوب لبنان، وتَسَبَّبَت بأضرار جسيمة في الأراضي الزراعية والماشية والبنية التحتية" (الإسكوا ٢٠٢٤، ص. ٢). نتساءل إذًا حول جهات التحقيق الدولية المستقلّة الأخرى التي يتوجب توفُّرها ليتمكّن البنك من إدراج الأضرار والخسائر المرتبطة باستخدام الفوسفور الأبيض، في حين أنَّ جميع وسائل الإعلام العالمية عرضت هذه الوقائع بوضوح.

وأخيرًا، من المثير للاستغراب أن يتجنّب البنك إضافة هذه الأضرار البيئية الناجمة عن الأسلحة غير التقليدية في تقريره النهائي لعام ٢٠٢٥، على الرغم من التوثيق الشامل الذي قدّمه التعاون القائم بين المجلس الوطني للبحوث العلمية والمركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر (المجلس الوطني للبحوث العلمية والمركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر ٢٠٢٤، ص. ٣٨). ومع ذلك، فإنَّ حالة عدم اليقين بشأن الحصيلة البشرية للحروب تكشِف الاختلاف بين المكانة الثانوية التي توليها تقارير البنك الدولي لمصادر المعلومات الصادرة عن السلطات العامّة في فلسطين أو لبنان، والمكانة المركزية التي تحظى بها البيانات التي تنتجها الحكومة الأوكرانية.

 

7-  صعوبة تقدير الحصيلة البشرية الناتجة عن الحروب وجرائم الإبادة الجَمَاعية

وفي حين يسعى علماء الأوبئة إلى قياس الخسائر البشرية أو تصنيفها خلال أوقات الحرب وبعدها، يُحاوِل خبراء الاقتصاد في البنك الدولي تقدير تكلفتها المالية. ولكنْ، تحمل عملية احتساب عدد الضحايا مستوًى مرتفعًا من عدم اليقين. فكيف يمكن تحديد العدد الرسمي للضحايا "المدنيين" الذين قُتلوا أو أُصيبوا بشكلٍ مباشر نتيجة الحرب؟ وكيف يمكن التمييز بين القتلى المدنيين وغير المدنيين؟ وكيف يمكن احتساب عدد الأشخاص الذين قُتلوا نتيجة الحرب بشكل غير مباشر (أي بسبب الأمراض، التلوّث، الأوبئة، سوء التغذية...)، علمًا أنَّ عددهم/نَّ غالبًا ما يفوق عدد الوفيات المباشرة للحرب؟

استنادًا إلى مراجعة منهجية لعشرات الإحصاءات التي أُجريت في بلدان متأثّرة بالحروب، يكشف تقرير "العبء العالمي للعنف المسلّح" (Global Burden of Armed Violence)، الصادر في إطار إعلان جنيف لعام ٢٠٠٨، أنَّ عدد الوفيات غير المباشرة يتراوح عادةً بين ثلاث و١٥ حالة مقابل كلّ حالة وفاة مدنية مباشرة أثناء الحرب. ويمكن ربط جزء كبير من هذه الوفيات بأعمال العنف المسلّح التي تلي الحرب، إذ يتحقّق "خطر العودة إلى الحرب في نسبة تتراوح بين ٢٠% و٢٥% من الحالات" (إعلان جنيف، ٢٠٠٨، ص. ٤-٥).

في أوكرانيا، كما في غزّة ولبنان، يستمرّ عدد الوفيات المباشرة أو غير المباشرة للحرب في الارتفاع. وغالبًا ما تُعَدّ الفئات الأكثر هشاشة (مثل الأشخاص ذوي الإعاقة بسبب الحرب، وكبار السنّ، والأيتام، والنساء...) معرّضة بشكل أكبر لمخاطر العنف في مرحلة ما بعد الصدمة، وفقًا لتصريح البنك الدولي في تقريره عن أوكرانيا (البنك الدولي ٢٠٢٤ج).

لكنْ، يؤكّد البنك في تقريره الصادر في العام ٢٠٢٤ حول غزّة امتناعه عن تقدير الحصيلة البشرية لـ "نزاع ٢٠٢٣-٢٠٢٤"، مشيرًا إلى أنَّ "الأمم المتّحدة غير قادرة حاليًا على التحقّق من أعداد الضحايا التي نشترها وزارة الصحّة في غزّة". (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص. ١). ومع ذلك، فقد تمّ تأكيد هذه الأرقام من خلال عدد كبير من التحليلات الطبّية المستقلّة، التي أظهرت تطابقًا كبيرًا بينها وبين بيانات الأمم المتّحدة ووكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). علاوةً على ذلك، توصّلت المقارنة المنهجية بين المصدرَيْن، والتي نُشِرَت في مجلّة "ذا لانست"، إلى أنَّ بيانات وزارة الصحّة تتمتّع بـ "جودة معقولة"، ما يدحض الاتّهامات المتعلّقة بتزييف الأرقام، خصوصًا وأنَّ البيانات الرسمية تُقدِّر عددًا أقلّ من العدد الفعلي للوفيات الفلسطينية المباشرة أو غير المباشرة في الحرب (جمال الدين وآخرون ٢٠٢٣، ص. ٢١٨٩). فضلًا عن ذلك، يؤكّد مقال آخر نُشر في مجلّة "ذا لانست" التطابق بين بيانات الأمم المتّحدة ووزارة الصحّة، مُشيرًا إلى حصيلة أوّلية بلغت ٣٥,٠٩١ حالة وفاة مباشرة في غزّة حتّى تاريخ ١٠ أيّار/مايو ٢٠٢٤ (وتشمل نسبة ٣٠% منها جثث مجهولة الهوية). واستنادًا إلى فرضيات متحفّظة للتقييم (تفترض أربع وفيات غير مباشرة مقابل كلّ حالة وفاة مدنية مباشرة)، يُقدِّر الكتّاب أنَّ العدد الإجمالي للأشخاص الذين قُتلوا بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب يصل إلى ١٨٦ ألف شخص، أي ما يعادل نسبة ٧,٩% من سكّان غزّة (الخطيب وآخرون ٢٠٢٤)

في المستقبل، ينبغي على تقييمات ما بعد الصدمة، التي تحتسب التكاليف الاقتصادية الناجمة عن الحروب، أن تُراعي العلاقة الوثيقة بين الأضرار والخسائر المتكبّدة أثناء الحرب، والحصيلة البشرية في مرحلة ما بعد الحرب. وعلى الرغم من أنَّ هذه الحصيلة تبدو موثّقة بشكل أفضل في حالة غزّة، فإنَّ تقدير عدد الضحايا المباشرين وغير المباشرين في لبنان سيُشكِّل صعوبةً أكبر، في حال لم نبدأ الآن في اعتماد أساليب للرصد.

 

الخلاصة

Anchorختامًا، تستثني تقارير البنك الدولي حول لبنان وغزّة جزءًا كبيرًا من التكاليف المرتبطة بالحرب (مثل التكاليف البيئية الناجمة عن استخدام الأسلحة غير التقليدية، ومخاطر المتفجّرات، وتكاليف رعاية جرحى الحروب والأشخاص ذوي الإعاقة، والتكاليف المرتبطة بالحماية الاجتماعية...)، وهي تكاليف أُدرِجَت في تقرير البنك حول أوكرانيا. ونتيجةً لذلك، يرى البنك الدولي أنَّ الجزء الأكبر من تكاليف الأضرار في كلٍّ من لبنان وغزّة[21] يرتبط بالدمار الذي شهده قطاع الإسكان، في حين لا يُمثِّل ذلك سوى ثلث تكاليف "الحرب" في أوكرانيا (٥٧,٦ مليار دولار من أصل ١٧٦ مليار دولار) (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٣٦). ويعكس هذا التباين بوضوح المكانة غير المتساوية التي توليها تقارير البنك الدولي للسلطات ومؤسّساتها العامّة في مختلف عمليات التقييم.

وعلى وجه الخصوص، تُشير الحالة اللبنانية بشكلٍ نموذجي إلى مدى استخدام تقارير البنك الدولي كأدوات لإعادة تعريف دور الدولة أو مكانتها في سياق العلاقات الدولية (حريري وآخرون ٢٠٢٠). فمنذ العام ٢٠١٦، يُصدِر البنك الدولي بانتظام تقارير ربع سنوية حول الاقتصاد اللبناني،[22] وقد تحوّلت بعض هذه التقارير إلى "مراجع كلاسيكية" في النقاشات العامّة، والأكاديمية والإعلامية، وتركت علامة فارقة في الخطاب اليومي والعلمي، وأثرًا مستدامًا في طريقة فهم وتحليل الاقتصاد اللبناني وأزماته المتعدّدة.[23]

ونادرًا ما تتعرّض هذه التقارير للتشكيك، إذ تستفيد من المكانة المرموقة التي يتمتّع بها البنك الدولي، وتستخدم موارده التقنية والعلمية والمالية الهائلة، في حين تُعاني المؤسّسات المحلّية، سواء العامّة أو الخاصّة، من ضعف في إنتاج البيانات.[24]

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ المكانة التي تُمنَح للدولة تُعَدّ نموذجية في هذا النوع من التقارير، إذ تُبرِز وظائف التقييم، وتُسلِّط الضوء على الاستراتيجيات اللغوية (وممارسات السلطة) التي يعتمدها المتحدّث (أي البنك الدولي) للتوجُّه إلى مختلف المتلقّين لخطابه: بما في ذلك الدولة اللبنانية، والدول المانحة «الأخرى»، والجهات الفاعلة في مجال المساعدة الدولية، والهيئات الرئيسة للقانون الدولي التي تستند إلى هذه التقييمات لتحديد مسار جهود الإغاثة أو عمليات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع (حريري وآخرون ٢٠٢١).

فضلًا عن ذلك، باتت تقارير التقييم الاقتصادية للأضرار والخسائر الناجمة عن الحروب، تمامًا مثل حصيلتها البشرية، تُمثِّل اليوم قضايا سياسية رئيسية، فتتعلّق بشكلٍ أساسي بمسألة الاعتراف بجرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجَمَاعية، والجرائم ضدّ الإنسانية (أو إنكارها). وفي ظلّ صدور مذكّرات اعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية بحقّ قادة روس وإسرائيليين، يُرجَّح أن تُخلِّف عمليات التقييم هذه، التي تُنفَّذ «في زمن الحرب»، آثارًا مهمّة على مستقبل القانون الدولي.

ومع ذلك، غالبًا ما تميل تقارير البنك الدولي إلى التقليل من القيمة الفعلية للتكاليف الاقتصادية الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلّحة، فضلًا عن حصيلتها البشرية. فقد أظهرت مراجعة نقدية حديثة لمنهجية التقييم المرحلي حول أوكرانيا أنَّ البيانات الناتجة عن المقاربة الشاملة التي يعتمدها البنك الدولي تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك التي تُقدِّرها التقييمات القائمة على معالجة «كلّ عنصر على حدة»، والتي كشفت عنها منشورات علمية استندت إلى تحليلات مفصّلة أُجرِيَت على نطاق ضيّق باستخدام مقاربات «تنطلق من مستوى القاعدة» «ومُصمَّمة لكلّ عنصر». وقد خَلُصَ الكتّاب إلى أنَّه «لا يمكن اعتبار المقاربة العامّة للتقييم السريع التي يعتمدها البنك الدولي أساسًا لتطوير آليات التعويض[25]» في أوكرانيا (زهوك وآخرون ٢٠٢٣، ص. ٢١١).

ومع ذلك، لا تسعى الملاحظات المدرجة أعلاه إلى التشكيك في المنهجية الشاملة التي يعتمدها البنك الدولي. وفي حال أردنا استخلاص نقطة أساسية من ذلك، فهي أنَّه لا يمكن فصل التقديرات الناتجة عن منهجية التقييم المرحلية عن سياقاتها، ولا عزل فرضياتها عن النيّات والوظائف والاستخدامات ذات الطابع السياسي التي تُوجِّه صياغتها.

وأخيرًا، على الرغم من أنَّ منهجية التقييم المرحلي التي يعتمدها البنك الدولي تتّصف ببعض القيود، فإنَّها تتمتّع أيضًا بعدد من المزايا. فعلى خلاف منهجيات التقييم بعد الكوارث، يسعى التقييم المرحلي إلى تقدير التكاليف الفعلية والمتوقّعة بشكلٍ استباقي، ما يسمح بتصحيح التوقّعات بشكل تدريجي، أو اتّخاذ إجراءات أثناء الحرب للحفاظ على بعض القطاعات التي تُعتبَر حيوية أو أساسية بالنسبة للدول المتأثّرة بالحرب، أو حتّى بالنسبة للقانون الدولي. فعلى سبيل المثال، تُظهِر التقييمات المرحلية المتكرّرة في أوكرانيا على مدار أربع عمليات، كيف تؤدّي الآثار المتراكمة للنزاع (على البيئة، والصحّة العامّة، والأمن الداخلي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي...)، إلى ارتفاع تكلفة الحرب على الشعب الأوكراني عامًا بعد عام، بصرف النظر عن مستوى تصاعد العمليات العسكرية. 

بالتالي، على الرغم من تصاعد حدّة الحروب، يحظى التقييم المرحلي لآثار الحرب بميزة أساسية تُمكِّنه من إعداد حصيلة "ديناميكية" لحرب لا تزال قائمة، فلا يسمح فقط بتوجيه عمل الدول والمنظّمات الدولية، بل يُساهِم أيضًا في ممارسة الضغط من أجل الحدّ من الأضرار، لا سيّما في القطاعات الحسّاسة بالنسبة للقانون الدولي (مثل تدمير المواقع والمعالم الأثرية، أو الترحيل القسري للأطفال...). من هذا المنطلق، يمكن الاعتبار بأنَّ للتقييم المرحلي أهمية (سياسية) تفوق الأهمية التي يحظى بها التقييم الذي يُنفَّذ بعد انتهاء الحرب، على الرغم من وجود قدر من عدم اليقين في تقديراته، وترتبط هذه الأهمية بوظيفته كأداة ضغط قادرة على توجيه مسار الحرب والحدّ من أضرارها وخسائرها، وخصوصًا في القطاعات التي تُعَدّ حسّاسة بالنسبة إلى السلام العالمي.

 

قائمة المراجع

Banque Mondiale (BM), 2025a, “Lebanon Rapid Damage and Needs Assessment (RDNA)”, in collaboration with CNRS-L, Washington DC, March, 2025.

___BM, 2025b, “Gaza and West Bank Interim Rapid Damage and Needs Assessment”, Washington DC, February, 2025.

___BM, 2025c, “Forth Rapid Damage and Need Assessment. February 2022 - December 2024”, Washington DC, February, 2025.

___BM, 2024a, “Lebanon Interim Damage and Loss Assessment”, Washington DC, November 2024.

___BM, 2024b, “Gaza Strip Interim Damage Assessment”, Washington DC, March, 2024

___BM, 2024c, “Third Rapid Damage and Need Assessment. February 2022 - December 2023”, Washington DC, February, 2024.

___BM, 2021a, Lebanon Economic Monitor, Fall 2021, “The Great Denial”, Beirut, Lebanon.

___BM, 2021b, Lebanon Economic Monitor, Spring 2021, “Lebanon Sinking (to the Top 3)”, Beirut, Lebanon.

___BM, 2020a, “Beirut Rapid Damage and Needs Assessment”, Washington DC.

___BM, 2020b, Lebanon Economic Monitor, Fall 2020, “The Deliberate Depression”, Beirut, Lebanon

___BM, 2013, “Lebanon: Economic and Social Impact Assessment of the Syrian Conflict”, Washington DC.

CNRS, National Center for Natural Hazards & Early Warning, 2024, “Israeli offensive on Lebanon 2023-2024. Overview of attacks and damages across key sectors”, In collaboration with UNDP.

Déclaration de Genève, 2008, “Global Burden of Armed Violence”, Geneva Declaration Secrétariat, Genève, Suisse.

ESCWA, 2024, « The multidimensional impact of Israeli attacks on Lebanon », en collaboration avec UN Habitat.

Goldman, Sharon, Ari M. Lipsky, Irina Radimislensky, Adi Givon, Ofer Almog, Avi Benov, Eldad Katorza, and Israel Trauma Group, 2024, “October 7th mass casualty attack in Israel: Injury profiles of hospitalized casualties”, Annals of Surgery Open, 5(3):e481.

Gouvernement du Liban, 2024, “Situational Report no 49”, The Government’s Emergency Committee, 25/11/2024, Beyrouth, Liban.

Hariri Nizar, Antoun Racquel, Haykal Sarah, 2020, « La rhétorique nationaliste dans les discours de la Banque Mondiale : déconstruire quelques mythes sur le travail des réfugiés Syriens au Liban”, Actes du 61eme congrès de l’Association Internationale des Économistes de Langue Française (AIELF), Santiago, Chili.

Hariri Nizar, Bou Nader Raymond, Makhlouf Youmna, Scala Michele, 2021, “Étude multidimensionnelle des impacts des explosions sur les quartiers endommagés », Hal, Archives ouvertes. 

Jamaluddine Zeina, Checchi Francesco, Campbell Oona, 2023, "Excess mortality in Gaza: Oct 7–26, 2023", The Lancet 402, no. 10418 : 2189-2190.

Khatib Rasha, Martin McKee, Salim Yusuf, 2024, “Counting the dead in Gaza: difficult but essential”, The Lancet 404, no. 10449: 237-238.

Nations Unies, 2025, “ ‘More than a human can bear’: Israel's systematic use of sexual, reproductive and other forms of gender-based violence since 7 October 2023 », UN Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel, Human Rights Council, Genève.

Zhuk Valerii, Pugachov Mykola, Shpykuliak Oleksandr, Bezdushna Yuliya, and Popko Yevheniya, 2023, “Application of accounting for the assessment of war losses for agribusiness enterprises of Ukraine”, Agricultural and Resource Economics, 9(3): 197-215.

 


[1] إلى جانب الآثار المادّية أو المالية التي يسهُل إلى حدٍّ ما قياسُها بشكلٍ كمّي، يسعى تقرير "التقييم السريع للأضرار والاحتياجات" (RDNA4) أيضًا إلى تقديم وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢. وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢ (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ١٠).

[2]  "يقدّم هذا التقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لينان (RDNA) المتعلّق بأثر النزاع الذي شهده لبنان في عامَيْ ٢٠٢٣- ٢٠٢٤" (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٩)

[3] https://www.ohchr.org/en/press-releases/2024/07/un-report-palestinian-detainees-held-arbitrarily-and-secretly-subjected

[4] "[...] المُعتمَدة والمُعترَف بها عالميًا. تمّ تطبيق هذه المنهجية على الصعيد العالمي في سياقات ما بعد الكوارث والنزاعات بهدف توجيه عمليات التخطيط للتعافي وإعادة الإعمار. تُسهِم منهجية التقييم الشفّافة والموحّدة هذه في تعزيز تنسيق الجهود الوطنية والدولية وتماسكها". (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ٥٢).

[5] إضافةً إلى الآثار المادّية أو المالية التي يسهل إلى حدٍّ ما قياسها بشكلٍ كمّي، يسعى التقرير أيضًا إلى تقديم وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢. وصف نوعي يوضح التغيُّرات الجذرية التي طرأت على حياة الناس منذ شباط/فبراير ٢٠٢٢ (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ١٠).

[6] "يكلّف سجل الممتلكات المتضررة والمدمّرة التابع للحكومة الأوكرانية بالتحقق من الأصول المتضررة وتسجيلها [...]. ويعمل كأداة مركزية لمراقبة حجم الأصول المتضررة، وطبيعتها، وموقعها، فضلًا عن متابعة التقدم المحرز في إصلاحها وإعادة إعمارها."

[7] "يُقدِّم تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات تحليلًا شاملًا للأضرار التي تكبّدتها أوكرانيا جرّاء الحرب الروسية الشاملة. ويُحدِّد التقرير قيمة التمويل اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار. […] في العام ٢٠٢٤، أُبرِمَ ٢٨ اتّفاقًا بقيمة إجمالية بلغت ٣١.٨ مليار دولار أمريكي، قُدِّمَ منها مبلغ ٢٢.٩ مليار دولار على شكل مِنَح، وقد استفادَ ملايين الأوكرانيين من هذا الدعم في إطار التعاون بين أوكرانيا والبنك الدولي".

https://mof.gov.ua/en/news/government_of_ukraine_and_international_partners_will_present_the_fourth_rapid_damage_and_needs_assessment_rdna4-5028

[9] "نظرًا لفقدان الوثائق واحتمال خسارة الملكيات، تسود حالة من عدم اليقين الطويلة الأمد بشأن حيازة الأراضي وحقوق الملكية" (البنك الدولي ٢٠٢٥ج، ص. ٥٣).

[10] أظهرت الحصيلة الأوّلية للخسائر البشرية أنَّه حتّى تاريخ ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤، استشهدَ أكثر من ٣,٧٦٨ شخصًا وأُصيب ١٥,٦٦٩ آخرين من الجانب اللبناني، وذلك وفقًا لآخر إحصاء رسمي صادر عن الحكومة قبل إعلان وقف إطلاق النار (حكومة لبنان ٢٠٢٤).

[11]   "تَسَبَّبَ النزاع المستمرّ في قطاع غزّة بخسائر بشرية، ونزوح قسري، وأضرار لحقت بالبنية التحتية الاجتماعية والمادّية والإنتاجية، وذلك بسرعةٍ ونطاقٍ غير مسبوقَيْن. وقد شدَّدَ كلٌّ من الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي وشركاء آخرين في مجالَيْ العمل الإنساني والتنمية، مرارًا وتكرارًا، على أنَّ الوضع يُمثِّل "أزمة إنسانية حادّة" (البنك الدولي ٢٠٢٤ب، ص ١).

[12] خطاب رسمي منشور على الموقع الإلكتروني [بوّابة الحكومة] التابع للحكومة: https://www.kmu.gov.ua/en/news/uriad-i-svitovyi-bank-predstavyly-rdna3-potreby-na-vidbudovu-ukrainy-skladaiut-vzhe-maizhe-486-miliardiv-dolariv .

[13] في هذا الصدد، يُشير البنك الدولي بنفسه إلى أنَّ تحليلاته القطاعية (حول أوكرانيا وسواها) لا تمكّن من احتساب الأثر الذي يعكسه قطاع على آخر، ويؤكّد على ضرورة إجراء تقييمات إضافية في المستقبل لإدراج "أنواع مختلفة من الإصلاحات المرتبطة بمسار الحرب […] والمناطق التي شهدت معارك محدودة أو لم تشهد معارك، ولكنَّها عانت من تقليص الاستثمارات أثناء الحرب" (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ٢٧).

[14] "جرائم الترحيل غير القانوني للسكّان الأوكرانيين، أو حرمانهم/نَّ من الحرّية في المناطق المحتلّة" (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ٦١).

[15] "عبء التحقيق في جرائم الحرب وملاحقة مرتكبيها، بالإضافة إلى تنفيذ المسؤوليات العادّية" (البنك الدولي ٢٠٢٤ج، ص. ١٦٥).

[16] مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية ٢٠٢٤ "لبنان لا يحتاج إلى المساعدات فحسب، بل هو بحاجة إلى دولة القانون والرعاية الاجتماعية"

https://civilsociety-centre.org/paper/more-aid-lebanon-needs-welfare-state-upholds-rule-law

[17]  "لم يتمكّن البنك الدولي من التحقّق بشكل مستقلّ وعلمي من الاستخدام المزعوم للفوسفور الأبيض في لبنان في هذا التقييم المرحلي" (البنك الدولي ٢٠٢٤أ، ص. ١٤).

[21] بالتحديد، تجاوزت قيمة الأضرار في قطاع الإسكان اللبناني ٤,٥ ملايين دولار أمريكي من أصل ٦,٣٨ ملايين دولار أمريكي (لكلّ القطاعات مُجتمِعَةً)، أي ما يُعادِل نسبة ٦٧% من إجمالي الأضرار (البنك الدولي ٢٠٢٥أ، ص. ١٩)، بينما تُمثِّل نصف إجمالي الأضرار في فلسطين (البنك الدولي ٢٠٢٥ب، ص. ٤)."

[22] https://www.worldbank.org/en/country/lebanon/publication/lebanon-economic-monitor

[23] على سبيل المثال، استُمِدَّت بعض التعابير التي باتت شائعة في تحليل الأزمات اللبنانية من هذه التقارير، مثل "الكساد المتعمّد" (البنك الدولي ٢٠٢٠ب) و"الإنكار الكبير" (البنك الدولي ٢٠٢١أ)، وهما فئتان تحليليّتان تجعلان من الحالة اللبنانية نموذجًا لأزمة حادّة تتّسم بفشل في الحوكمة وفساد لدى النخب السياسية. فضلًا عن ذلك، تجدر الإشارة إلى التقرير الذي صنّف الأزمة اللبنانية بين الأزمات الاقتصادية المعاصرة العشر، وربما بين الأزمات الثلاث، الأكثر حدّة عالميًا (البنك الدولي ٢٠٢١ب).

[24] في المقابل، قد يُعَدّ هذا النوع من تقارير التقييم انتهاكًا لسيادة إسرائيل، في حال أُجري من دون التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية (علمًا بأنَّ عددًا من الهيئات العامّة والخاصّة في إسرائيل تُجري بانتظام هذا النوع من التقييمات، على المستويات المحلّية أو القطاعية أو الوطنية، من دون الحاجة إلى أيّ دعم تقني من البنك الدولي).

[25] «لا يمكن اعتبار المقاربة العامّة للتقييم السريع التي يعتمدها البنك الدولي أساسًا لتطوير آليات التعويض» (جوق وآخرون ٢٠٢٣، ص. ٢١١).

APA
Hariri, N. (2025). عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان.
MLA
Hariri, Nizar. عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان, 2025.
Harvard
Hariri, N 2025, عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان.
Chicago
Hariri, Nizar. عندما يُقيِّم البنك الدولي الحرب في أوكرانيا والنزاعات في فلسطين ولبنان. 2025