الـلا عدالة في الوصول إلى المياه في لبنان.
دراسة حالة عن التجارب الحياتية للأُسَر في برّ الياس – البقاع
فريق الإعداد
الكاتبة: داليا لقيس
فريق التحرير:
ماري-نويل أبي ياغي (خبيرة في العلوم السياسية ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية)، نزار حريري (خبير اقتصادي ومُحلِّل لسوق العمل)، ليا يمّين (مُبدِعة وباحثة ومديرة مُشارِكة لمركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية)
التصميم: فاليري نصير
الترجمة والتحرير اللغوي: The Language Platform
تمّ إعداد هذه الدراسة من قِبَل مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية في إطار تعاونه مع اليونيسف ضمن مشروع مشترك بعنوان "نحو سياسات اجتماعية شاملة ودولة الرعاية الاجتماعية في لبنان" لتعزيز الأبحاث المستقلّة والدعوة إلى وضع السياسات العامّة المناسبة. لا تتبنّى اليونيسف وجهات النظر أو التحليلات أو الآراء التي عبَّرَ عنها فريق الإعداد. تُعبِّر وجهات النظر الواردة في هذا المنشور عن آراء فريق الإعداد حصرًا، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية أو شركائه.
© مركز العلوم الاجتماعية للأبحاث التطبيقية. بيروت،أيار/مايو ٢٠٢٥. جميـع الحقـوق محفوظـة. لا يجـوز إعـادة إنتـاج أيّ جـزء مـن هـذا المنشـور، أو توزيعـه، أو نقلـه بـأيّ شـكل أو بأيّ وسيلة، بمــا فــي ذلــك التصوير، أو التسجيل، أو أيّ وســائل إلكترونيــة أو ميكانيكيــة أخــرى، مـن دون إذن خطّـي مسـبق مـن الناشـر، إلّا فـي حالـة الاقتباسات الموجـزة والإشارة فـي المراجعات والمقالات النقديـة، وبعـض الاستخدامات غيـر التجاريـة الأخرى التي يسمح بهـا قانـون حقوق النشر.
جدول المحتويات
المقدّمة
أوّلًا - لمحة عامّة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان
1-التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية قبل الحرب وبعدها
2-التحدّيات المتعلّقة بالمياه
3-التأقلم في إطار الافتقار إلى المياه: دروس من لبنان وبلدان الجنوب العالمي
ثانيًا – التجارب الحياتية للمجتمعات المفتقِرة إلى المياه في برّ الياس، لبنان
1-التحدّيات البنيوية: السكن والظروف المعيشية
2-قيود التنقّل والتحدّيات التقاطعية
3-تسليع المياه والحواجز الاقتصادية
4-فقدان الاستقلالية والسعي نحو التمكين
5-التنازع على الموارد النادرة: المياه، واللامساواة، والصراعات الاجتماعية
6-التحدّيات البيئية
نبذة
تنظر هذه الدراسة في التحدّيات المتعلّقة بالمياه التي يواجهها سكّان برّ الياس في لبنان، مع التركيز على الآثار الناتجة عن ندرة المياه، وانخفاض جودتها، وصعوبة الوصول إليها، لا سيّما على الفئات السكّانية الهشّة. وتُبرز الدراسة كيف تساهم محدودية الموارد المائية في المنطقة في تفاقم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصًا بين النساء، والأطفال، واللاجئين/ات، وكبار السنّ، والأشخاص ذوي الإعاقة. ففي برّ الياس، تتحمّل النساء في الغالب مسؤولية جمع المياه، بينما يكون الأطفال عرضةً للإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه، ما يُعيق نموّهم/نّ وتطوّرهم/نّ. ويُواجِه كبار السنّ مخاطر صحّية متزايدة نتيجة تلوّث المياه، في حين يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة عوائق كبيرة في الوصول إلى المياه النظيفة بسبب نقص البنى التحتية.
تتناول الدراسة أيضًا السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع لأزمة المياه في لبنان، مُسلِّطةً الضوء على الثغرات في السياسات المُعتمَدة حاليًا لإدارة الموارد المائية، والحاجة إلى اعتماد إصلاحات شاملة. كذلك، تنتقد الدراسة غياب الإرادة السياسية اللازمة لإعطاء الأولوية لتوزيع المياه بشكل عادل، ولتنفيذ إصلاحات تعالج الأسباب الجذرية للأزمة. وتشير إلى استمرار اتّساع الفجوة في الحصول على المياه النظيفة في ظل الافتقار إلى تغييرات جوهرية على صعيد الحوكمة وتخصيص الموارد، مما يُؤدّي إلى تأثيرات غير متكافئة تطال الفئات الأكثر هشاشةً.
المقدّمة
تتناول هذه الدراسة مسألة الـلا عدالة المائية المُلِحَّة في لبنان من خلال توثيق التجارب الحياتية لتي تعيشها الأُسَر المهمّشة في برّ الياس، مع التركيز على النساء والأطفال وكبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة. برّ الياس بلدة لبنانية مكتظّة بالسكّان في سهل البقاع، وتُعرَف بأهمّيتها الزراعية ودورها كمركز للفئات الأكثر هشاشةً، لا سيّما اللاجئين/ات والأُسَر ذات الدخل المحدود، ما يجعلها موقعًا مناسبًا لدراسة التحدّيات المرتبطة بالحصول على المياه. وتسلّط الدراسة الضوء على التكلفة البشرية لأزمة المياه في لبنان من خلال البحث في العوائق التي تَحول دون الوصول إلى المياه، وما يترتّب على انعدام الأمن المائي من آثار واسعة على الحياة اليومية، والصحّة، والأدوار الجندرية، وديناميات الأسرة، والوضع الاقتصادي. بالتالي، تبحث الدراسة في كيفية تعامل الأُسَر المعيشية مع مشكلة ندرة المياه من خلال اتّباع استراتيجيات تأقلم متنوّعة، بما في ذلك تخزين المياه، والاعتماد على مصادر بديلة، والاستناد إلى شبكات الدعم الاجتماعي، وشراء المياه من المورّدين من القطاع الخاصّ، واللجوء إلى التوصيل العشوائي غير القانوني بشبكات المياه العامّة، واتّباع ممارسات مبتكرة مثل إعادة استخدام المياه ومعالجتها.
وعلى الرغم من أنَّ هذه الدراسة تنطلق من تجارب مجتمع محلّي واحد، لكنَّها تُبرِز التداعيات الأوسع لتسليع المياه على سكّان لبنان عمومًا. تتمحور الدراسة حول مراجعةٍ شاملة للمنشورات ذات الصلة، وتحليلٍ لتحدّيات قطاع المياه في لبنان، ومنهجيةٍ مفصّلة مع النتائج. وتُختَتم الدراسة بسلسلة من التوصيات السياساتية والعملية التي تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وضمان الوصول العادل إلى المياه في لبنان.
يسعى هذا التقرير إلى تناول مسألة الـلا عدالة في الوصول إلى المياه في لبنان من خلال استكشاف التجارب الحياتية للفئات الهشّة والأُسَر المحرومة في بلدة برّ الياس تحديدًا. ويهدف إلى تقييم آثار انعدام الأمن المائي بمختلف جوانبها على الحياة اليومية للأفراد والأُسَر الذين يعانون من شحّ المياه ومن الفقر الاقتصادي، مع تحديد آليات التأقلم التي يعتمدونها لتأمين الوصول إلى المياه. والواقع أنَّ هذه الاستراتيجيات - مثل تخزين المياه، واستحداث مصادر بديلة، والاستعانة بشبكات الدعم الاجتماعي، وشراء المياه من المورّدين الخاصّين، والتوصيل العشوائي وغير القانوني بالشبكات العامّة، وجمع مياه الأمطار، وممارسات إعادة استخدام المياه أو معالجتها - تتطلّب يدًا عاملة مكثّفة وتستغرق وقتًا طويلًا، وغالبًا ما تُلقي العبء الأكبر على كاهل النساء والأطفال ضمن إطار الاقتصاد المنزلي. كذلك، ينظر التقرير أيضًا في العبء الاقتصادي الذي تفرضه هذه الحلول المؤقّتة على الأُسَر الهشّة. وانطلاقًا من هذه التجارب المحلّية، يُسلِّط التقرير الضوء على التحدّيات الأوسع المرتبطة بتحويل المياه إلى سلعة، وتداعيات ذلك على السكّان عمومًا. فكيف يمكن لدراسة هذه التجارب المعيشية للفقراء في مجال المياه أن تُمهِّد لوضع توصيات سياساتية من شأنها أن تُعزِّز العدالة الاجتماعية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والوصول العادل إلى المياه في لبنان؟
تقع بلدة برّ الياس، التي تحمل مزيجًا من الطابعَيْن القَرَوي والمدني، في سهل البقاع بمحاذاة الطريق العام الذي يربط بيروت بدمشق، وتضمّ مجموعة سكّانية متنوّعة من لبنانيين/ات وفلسطينيين/ات ولاجئين/ات سوريين/ات. تحدّها عنجر من الشرق، وزحلة من الغرب، وكفر زبد والدلهمية من الشمال، والمرج من الجنوب. وتواجه برّ الياس تحدّيات كبيرة على صعيدَيْ المياه والصرف الصحّي، إذ أنَّ مصادر المياه فيها غير كافية ومُلوَّثة، ويزداد الوضع سوءًا جرّاء التوصيل العشوائي وغير القانوني بالشبكة، وضغط الطلب على الشبكة المائية. تُصنَّف البلدة كمنطقة ريفية، إلّا أنَّ عدد سكّانها يبلغ أكثر من ١٣٠٠٠٠ نسمة، بينهم ٣٠٠٠٠ لبناني[1] (غالبيتهم/نّ من السُّنَّة، إلى جانب أقلّية مسيحية)، ونحو ١٠٠٠٠٠ لاجئ سوري[2] (من بينهم/نّ ٢٧٠٢٢ لاجئًا/ةً مسجّلين/ات لدى مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين[3])، و٤٠٠٠ لاجئ فلسطيني (وصلوا بعد عام ١٩٤٨). يعيش معظم المواطنين/ات اللبنانيين/ات والفلسطينيين/ات واللاجئين السوريين/ات في أماكن سكنية، في حين يُقيم بعض السوريين/ات في أبنية غير سكنية مثل المرائب والمصانع والخِيَم غير النظامية، ويتشاركون الموارد والخدمات العامّة مع اللبنانيين/ات. ويواجه اللاجئون/ات قيودًا كبيرة على حقوقهم/ات الاقتصادية والسياسية، ولا سيّما في ما يتعلّق بتملّك العقارات.
في عام ٢٠٢٣، تمّ حلّ مجلس بلدية برّ الياس، وأصبحت البلدة الآن تحت إدارة محافظ البقاع. وتُشرِف مؤسّسة مياه البقاع على خدمات المياه والصرف الصحّي في المنطقة، مع الإشارة إلى أنَّ ٩٥٪ من المنازل موصولة بشبكة المياه الصالحة للشرب، إلّا أنَّ ١٨٪ فقط من المشتركين يسدّدون رسوم الاشتراك بشكل فعليّ حتّى تمّوز/يوليو ٢٠٢٣. [4] والجدير بالذكر في هذا الإطار أنَّ كمية المياه المتوفّرة التي تُستمَدّ من نبع شمسين تُعَتبَر غير كافية ورديئة الجودة نتيجة تهالُك الشبكة وازدياد أعداد اللاجئين/ات السوريين/ات، بالإضافة إلى التوصيلات غير القانونية بالشبكة.
كانَ نهر الليطاني، الذي يمرّ في برّ الياس، يُستخدَم في السابق للشرب والاستجمام والريّ. ولكنَّه باتَ اليوم ملوّثًا بشدّة نتيجة الرمي العشوائي للنفايات الصناعية والصحّية والزراعية، ممّا يُؤدّي إلى مشكلات صحّية خطيرة، من بينها ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان.
تمّ اختيار عيّنة الدراسة من مناطق متضرّرة بشدّة من تحدّيات المياه، بما في ذلك التلوّث بالقرب من نهر الليطاني، وانعدام المساواة في الحصول على المياه في شوارع المكّاوي والتلّ والشام، لا سيّما خلال أشهر الصيف. وقد وقعَ الاختيار على بلدة برّ الياس لإجراء الدراسة النموذجية لأنَّها تُجسِّد التحوُّل من منطقة ريفية إلى منطقة حضرية نتيجة توافُد اللاجئين/ات، ما يعكس التحدّيات الأوسع التي تواجهها بلدات لبنانية عدّة. فتُظهِر البلدة مدى الصعوبة في تلبية احتياجات عددٍ من السكّان يفوق بثلاثة أضعاف ما كانَ عليه في السابق، وذلك تزامنًا مع حلّ مجلسها البلدي ومحدودية هياكل السلطة المحلّية، إضافةً إلى البنى التحتية المُستنزَفة. فتُعتبَر برّ الياس مثالًا بالغَ الأهمية لفهم الضغط الذي يرزح تحته قطاع شبكة المياه العامّة في لبنان، ومدى التلوّث الذي يُعاني منه نهر الليطاني. تؤثّر هذه المشكلات على جميع السكّان، ومن بينهم/نّ الفئات الهشّة مثل النساء والأطفال وكبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الجفاف المعتدل الذي تشهده بلدة برّ الياس، والذي يُجنِّبها الوصول إلى مستويات قصوى من ندرة المياه، يُشكِّلُ سياقًا مهمًّا لفهم قضايا الوصول إلى المياه في ظروف لم تبلغ بعد درجة التأزّم التي تشهدها مناطق أخرى. كذلك، تُسلِّط هذه الحالة الضوء على سعي المجتمعات المحلّية للتصدّي للتلوّث، بالرغم من أنَّ جهودهم في هذا السياق غالبًا ما تُساهِم في تفاقُم الوضع.
يَعتمِد هذا البحث نهجًا نوعيًا إذ يجمع بين دراسة موسّعة للمراجع ذات الصلة وجمع بيانات ميدانية خاصّة بالموقع، إلى جانب إجراء المقابلات وحلقات النقاش المركّزة التي شملت ما مجموعه ٣٣ مُشارِكًا ومُشارِكة في البحث. وقد جُمِعت البيانات باعتماد الطرق التالية:
- المقابلات مع مقدّمي المعلومات الرئيسيين (١٤ مقابلة مع خبراء): أُجرِيَت أربع عشرة مقابلة لتعميق الفهم حول القضايا المحلّية المتعلّقة بالمياه واختيار أُسَر تُواجِه تحدّيات متنوّعة مرتبطة بالمياه. شملت المقابلات مختارَيْن (ممثّلَيْن مُنتخبَيْن على مستوى القرية)، ونشطاء، وممثّلين عن مؤسّسة المياه، وأعضاء من النوادي الشبابية والاجتماعية في المنطقة، ومنظّمات غير حكومية، ومنظّمات دولية غير حكومية، بالإضافة إلى جهة مانحة واحدة (مراجعة الجدول ١ أدناه). واستُخدِم أسلوب أخذ العيّنات بتقنية الإحالة المتسلسلة (أي "تقنية كرة الثلج") لتحديد هؤلاء المُشارِكين، حيث قامَ الأشخاص الذين أُجرِيَت معهم/نّ المقابلات باقتراح أفراد إضافيين لإجراء مقابلات لاحقة معهم/نّ. وتناولت هذه المقابلات مواضيع متعلّقة بإمكانية الحصول على المياه، وجودتها، والإنصاف في توزيعها، إضافةً إلى الحوكمة والإدارة، ومشاركة المجتمع، وتأثيرات انعدام الأمن المائي، وأنظمة الدعم المتوفّرة.
- مقابلات مع الأُسَر وحلقات النقاش المركّزة (١٠ مقابلات مع أُسَر، و٩ مُشارِكين/ات في حلقات النقاش المركّزة): أُجرِيَت مقابلات شبه مُنظَّمة مع عشرة أُسَر من الجنسيات اللبنانية والفلسطينية والسورية. وقد تمّت هذه المقابلات في شقق صغيرة، حيث جُمِعَت معطيات إضافية من الأزواج وأفراد الأسرة، وبالتالي تمَّ الحصول على نظرة شاملة عن تجربة الأسرة. كذلك، نُظِّمَت مناقشة إضافية ضمن حلقة نقاش بمشاركة شبّان وشابّات من أفراد الأُسَر.
تمّ اعتماد التحليل المواضيعي لدراسة البيانات النوعية المُستخلَصة من المقابلات مع مقدّمي المعلومات الرئيسيين والأُسَر، مع التركيز على آثار انعدام الأمن المائي على تجارب المشاركين الحياتية. وقد أسهم تحليل هذه المواضيع في بلورة توصيات تهدف إلى معالجة التحدّيات المُحدَّدة ودعم السياسات المتعلّقة بالحق في الحصول على المياه.
تمّ اختيار العيّنة استنادًا إلى الرؤى المستخلصة من المراجعة الأدبية والمقابلات مع مقدّمي المعلومات الرئيسيين. وقد شملت العيّنة النهائية عشرة مشاركين من تسع أُسَر مختلفة: ست نساء (لبنانيتان، فلسطينيتان، سوريتان)، وثلاثة رجال (جميعهم لبنانيون)، وشاب واحد (سوري).
وفي هذا السياق، تمّ اختيار المشاركين من ظروف سكنية متنوّعة: أربع أُسَر لبنانية وأُسرتان من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في مساكن نظامية، في حين تعيش أسرة لبنانية واحدة في مخيّم غير نظامي، وأسرة سورية واحدة في مأوى غير سكني. كذلك، شملت العيّنة شخصَيْن مسنَّيْن (رجل وامرأة)، وأربع نساء من ذوات الإعاقة (لبنانيتان وفلسطينيتان)، وامرأة سورية حامل.
ينتمي معظم المشاركين إلى خلفيات منخفضة الدخل، ويقيمون في مناطق تعاني من ندرة المياه في برّ الياس قرب نهر الليطاني، بما في ذلك مناطق المكاوي وطريق دير زنّون وحي التل. وتراوحَت أعمار المشاركين في مقابلات الأُسَر بين ٣٥ و٧٧ عامًا. مُنحَت الأولوية للسكّان اللبنانيين/ات والفلسطينيين/ات المقيمين/ات في مساكن نظامية نظرًا لقلّة الدراسات التي تتناول وصولهم/نّ إلى المياه، ولتَشابُه أوضاعهم/نّ السكنية (مراجعة الجدول ٢ الوارد أدناه). لم يُسلَّط الضوء بشكل كبير على اللاجئين/ات السوريين/ات المقيمين/ات في أماكن غير سكنية، وذلك نظرًا لتوفُّر عدد كبير من الدراسات التي تتناول وصولهم/نّ إلى المياه وظروف المساعدات الإنسانية المُقدَّمة لهم/نّ. وتَرَكَّزَ الاهتمام بشكل خاصّ على الأُسَر ذات الدخل المحدود، إذ أنَّها تُواجِه التحدّيات الأكبر في ما يخصّ الوصول إلى المياه، في ظلّ الانتشار الواسع لعدم الاستقرار المالي في منطقة الدراسة. أُعطِيَت الأولوية للنساء المسؤولات بشكل أساسي عن إدارة المياه ضمن الأُسَر، وذلك من أجل الحصول على آراء من مختلف المجموعات، بما في ذلك ربّات المنازل، والنساء الحوامل، والأفراد ذوي/ذوات الإعاقة، والأمّهات، والنساء المُسِنّات.
الجدول ١ – توزُّع المشاركين/ات في المقابلات مع مقدّمي المعلومات الرئيسيين
|
المُشارِكون/ات في البحث
|
عدد المُشارِكين/ات
|
|
الجهة المانحة: الوكالة السويسرية للتعاون الإنمائي
|
١
|
|
المختار
|
٢
|
|
عدد من الجهات الناشطة، ومنها:
مهندس في مجال المياه
خبير في مجال تلوّث المياه
اللجنة البيئية المحلّية
اللجنة الخاصّة بمتابعة موضوع التلوّث في نهر الليطاني
|
٤
|
|
ممثّلون عن مؤسّسة مياه البقاع:
المدير العام السابق
رئيس محطّات الضخّ والمشاريع
|
٢
|
|
أعضاء من نوادٍ شبابية واجتماعية محلّية:
"ملتقى الشباب"،
"شباب بتحبّ الخير"
|
٢
|
|
منظّمات غير حكومية محلّية، منها:
الاتّحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركيًا،
جمعية النجدة
|
٢
|
|
المنظّمات الدولية غير الحكومية، منها منظّمة الرؤية العالمية – فريقها المعني بالمياه والصرف الصحّي والنظافة الصحّية تحديدًا (حيث قام سبعة خبراء من فريقها بتقديم مساهماتهم/نّ خلال المقابلة)
|
١
|
|
المجموع
|
١٤
|
الجدول ٢– توزُّع الأُسَر بحسب ظروف السكن
|
المُشارِكون/ات في البحث بحسب ظروف السكن
|
الأُسَر
|
|
الأُسَر اللبنانية في مساكن نظامية
|
٤
|
|
أُسَر اللاجئين/ات الفلسطينيين/ات في مساكن نظامية
|
٢
|
|
أُسَر اللاجئين/ات السوريين/ات (في أماكن غير سكنية)
|
٢
|
|
أسرة لبنانية (في مخيّم غير نظامي)
|
١
|
|
المجموع
|
٩
|
أوّلًا - لمحة عامّة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان
يُواجِه لبنان منذ عام ٠١٩ حالةً من عدم الاستقرار السياسي الحادّ، وانهيارًا اقتصاديًا، وضعفًا في الحوكمة، ما أدّى إلى تضخّمٍ مفرط، وانخفاضٍ شديد في الناتج المحلّي الإجمالي، وتراجُع قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من ٩٠٪ مقابل الدولار الأمريكي.[5] وقد أدّى ذلك إلى انتشار الفقر على نطاقٍ واسع وتدهوُر القدرة الشرائية. وفي تمّوز/يوليو ٢٠٢٢، صنَّفَ البنك الدولي لبنان كدولة ذات دخل متوسّط من الشريحة الدنيا، فيما ارتفعَ معدّل البطالة إلى ٢٩.٦٪.[6] إنَّ الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه، على شفير الانهيار، وقد تفاقمَ هذا الوضع نتيجة التركُّز العالي للاجئين/ات السوريين/ات،[7] والحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة التي أدّت مباشرةً إلى فتح جبهة حرب مع لبنان.
1-التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية قبل الحرب وبعدها
الاستراتيجية الوطنية الأولى للحماية الاجتماعية في لبنان، التي أُطلِقت في شباط/فبراير ٢٠٢٤، هدفت إلى التصدّي لهذه التحدّيات، إلّا أنَّ تنفيذها يُواجِه عقبات كبيرة. فمنذ اعتمادها، سعت الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية إلى معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة التي أنهكت البلد على مدى سنوات. ولكنَّ فاعلية هذه الاستراتيجية تراجعت بشدّة نتيجة اندلاع الحرب الأخيرة مع إسرائيل في تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٣، ما زادَ من هشاشة لبنان وأدّى إلى تدهور أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية المتأزّمة أصلًا. فقد أسفرت الحرب عن سقوط آلاف القتلى، كما أدّت إلى إصابة أكثر من ١٥٠٠٠ شخص، الأمر الذي شكَّلَ عبئًا إضافيًا على هياكل الحماية الاجتماعية والصحّة العامّة التي كانت تُعاني أساسًا من ضغوط كبيرة. ومع تصاعد حدّة النزاع، ازدادت الحاجة إلى الحماية الاجتماعية الشاملة بشكل كبير، إذ بات عدد أكبر من الأفراد بحاجة إلى مساعدات فورية في مجالات الرعاية الصحّية والسكن والأمن الغذائي. غير أنَّ الحرب استنزفت الموارد والقدرات في كلٍّ من القطاعَيْن العام والخاصّ، ما جعلَ هذه الجهات عاجزة عن تلبية الحاجات المتنامية. وإثر الدمار الذي خلّفته الحرب، ازدادَ عدد المهجَّرين/ات، وترسّخت حالة عدم الاستقرار الإقليمي، كما ازداد الضغط على النظام المالي الهشّ أساسًا في لبنان. أمّا الموازنة الوطنية، التي كانت مُستنزَفة أساسًا بفعل الانهيار الاقتصادي السابق، فقد استُنزفت بدرجة إضافية بسبب الاستجابات الطارئة للنزاع، ما ترك هامشًا ضئيلًا لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية. وفي ظلّ هذا الوضع، معظم السكّان اللبنانيين/ات الذين كانوا يفتقرون أساسًا إلى شبكات أمان اجتماعي كافية، وجدوا/وجدْنَ أنفسهم/نّ في ظروف أسوأ، حيث أصبحوا/نَ غير قادرين/ات على الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحّية والسكن والتغذية. وقد كانت الفئات الهشّة، مثل كبار السنّ والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، من بين الأكثر تضرّرًا، إذ لم تتمّ تلبية احتياجاتهم/نّ في كثيرٍ من الأحيان في أعقاب هذه الحرب المدمّرة. وعلى الرغم من أنَّ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية كانت تهدف إلى توفير أساس للتعافي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل، إلّا أنَّ الحرب جعلت هذه الاستراتيجية شبه منعدمة الفاعلية على أرض الواقع، إذ تعجز الهياكل الحالية عن توفير الحماية الأساسية للسكّان بمختلف جوانبها.
2-التحدّيات المتعلّقة بالمياه
حتّى قبل اندلاع الحرب، كانت مؤسّسات المياه الأربع في لبنان تُعاني من صعوبات كبيرة في تقديم خدمات المياه والصرف الصحّي بشكلٍ كافٍ، وذلك بسبب القيود المالية، بما في ذلك العجز عن تغطية تكاليف الصيانة الأساسية، وشراء قطع الغيار، وتأمين مادّة المازوت، لا سيّما في ظلّ الأزمة الاقتصادية وأزمة الكهرباء المستمرّتَيْن.[8] فقليلٌ من محطّات معالجة مياه الصرف الصحّي تُنجِز مراحل المعالجة الثلاثية، ممّا يُفاقِم العبء على النظام. وأدّى هذا الوضع إلى انتشار الاستياء على نطاق واسع وفقدان الثقة في الحكومة.[9]
تتأثّر الفئات الهشّة مثل النساء، والأطفال، وكبار السنّ، والأشخاص ذوي الإعاقة بشكل غير متناسب من جرّاء نقص المياه وتحويلها إلى سلعة، حيث تُواجِه هذه الفئات صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحّية، والتعليم، وفرص العمل.[10] وتُساهِم إدارة المياه السيّئة أو تلوّثها في تفاقم سوء تغذية الأطفال وانتشار الأمراض المُعدِية. وعلى الرغم من التزامات لبنان بالاتّفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وبالهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلّق بتوفير المياه النظيفة،[11] لا يزال البلد يعجز عن تأمين الحقّ في المياه نتيجة فشل الحوكمة، والفساد، وعدم الاستقرار السياسي. بحلول عام ٢٠٢٢، لم يكن سوى ٤٨٪ من السكّان يتمتّعون بخدمات مياه شرب مُدارة بأمان (المؤشّر ٦.١.١) [12] من مصادر محسّنة،[13] في حين أنَّ الكثير من الأُسَر تعتمد على مصادر غير رسمية مثل الصهاريج والمياه المعبّأة، ما يُؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تلوّث المياه. بالتالي، يُواجِه قطاع المياه العامّ عجزًا ماليًا يتفاقم نتيجة تدهور قيمة العملة وعدم فعالية أنظمة التعرفة.
تُنفِق الأُسَر اليوم أكثر من ٦٪ من دخلها لتأمين المياه،[14] وهو ما يتجاوز بشكل كبير العتبة العالمية التي تبلغ ٣٪.[15] وقد أدّت عوامل عدّة إلى تفاقم الطلب على المياه، من بينها تهالك البنية التحتية، وتغيُّر المناخ، والنموّ السكّاني، والهجرة الداخلية، والوجود الكبير للّاجئين/ات السوريين/ات.[16] ويُشكِّل القطاع الزراعي، الذي يستهلك نحو ٦٠٪ من الموارد المائية، عاملَ ضغطٍ إضافيًا، إذ يعتمد بشكل كبير على المياه السطحية، ممّا يُفاقِم مشكلات التلوّث البرازي ومقاومة المضادات الحيوية في الأنهار مثل نهر الليطاني.
3-التأقلم في إطار الافتقار إلى المياه: دروس من لبنان وبلدان الجنوب العالمي
نظرًا إلى اعتماد السياسات المائية غير الملائمة وغياب البُنى التحتية الموثوقة، عمدت مجتمعاتٌ عدّة حول العالم إلى تطوير آليات محلّية للتأقلم مع انعدام الأمن المائي. وتبرز هذه الاستراتيجيات بشكل خاصّ لدى الفئات السكّانية الهشّة، حيث تؤدّي ندرة المياه وتلوّثها إلى تفاقم المصاعب القائمة. على سبيل المثال، طوّرت النساء من شعب الهودينوشوني (Haudenosaunee) آليات تكيُّف تقوم على إعادة بناء علاقتهنّ بالمياه، والاعتماد على دعم الأسرة والمجتمع، والانخراط في التخطيط الدقيق. تُسهِم المبادرات المجتمعية، مثل "مركز الولادة للأُمم الستّ" (Six Nations Birthing Center)، بالإضافة إلى دور أفراد الأسرة، في إدارة التأثيرات النفسية لانعدام الأمن المائي.[17]
وتُظهِر أبحاث راؤول باشيكو-فيغا كيف أنَّ سلوك المستهلكين/ات يميل غالبًا إلى تفضيل المياه المُعبّأة أكثر من أنظمة المياه العامّة، وذلك رغم توافر مياه الصنابير.[18]
بالفعل، تؤثّر البُنى الاجتماعية والاقتصادية غير العادلة، مثل خصخصة المياه والعولمة، على الصحّة والرفاه.[19] فعلى سبيل المثال، أشار راؤول باشيكو-فيغا إلى أنَّ خصخصة المياه وتسليعها من خلال بيع المياه المعبّأة تُفاقمان أوجه عدم المساواة في الوصول إلى مياه نظيفة، ممّا يُقوِّض تحقيق العدالة في الوصول إلى المياه.[20] تُطرَح مخاوف أخلاقية بارزة في هذا السياق، إذ أنَّ استهلاك المياه المعبّأة في زجاجات يُسهِم في التدهور البيئي الناتج عن النفايات البلاستيكية، ويُثير تساؤلات أخلاقية حول جني الأرباح من حاجة إنسانية أساسية. وقد شدّد باشيكو-فيغا على ضرورة اعتماد نهج قائم على الحقوق في حوكمة المياه، مع إعطاء الأولوية لوصول عموم الناس إلى مياه شرب آمنة وميسورة الكلفة بدلًا من تغليب المصالح التجارية. فالاعتماد على المياه المعبّأة يُؤدّي إلى ضعف أنظمة المياه العامّة من خلال تحويل الموارد بعيدًا عن تحسين البنية التحتية الضرورية.
في ليسوتو، على سبيل المثال، أدّت مشاريع السدود الضخمة التي تهدف إلى تصدير المياه إلى تحويل القِيَم المحلّية المتعلّقة بالمياه إلى رموز وطنية. ويُشكِّل مشروع مياه مرتفعات ليسوتو خيرَ مثالٍ على ذلك، وهو مشروعٌ تَصِل قيمته إلى مليارات الدولارات ويهدف إلى بناء سدود وتحويل المياه من جبال ليسوتو إلى جنوب أفريقيا. لقد أصبحَ هذا المشروع جزءًا من الرمزية الوطنية في ليسوتو، إذ يُجسِّد الهوية الوطنية والسيادة والازدهار الاقتصادي. لكنَّ النُّخَب السياسية في ليسوتو كانت تأمل بأن يُسهِم تصدير المياه في تعزيز الموقع السياسي والاقتصادي للبلد، إلَّا أنَّ هذا التفاؤل كانَ في غير محلّه. في عام ١٩٩٨، وفي خضمّ الاضطرابات السياسية في ليسوتو، قامت بعثة عسكرية تابعة لمجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية بقيادة جنوب أفريقيا بتأمين سدّ كاتسي التابع لمشروع مياه مرتفعات ليسوتو. وقد أظهرت هذه الحادثة هيمنة جنوب أفريقيا على جارتها الأصغر، ما سلّط الضوء على أنَّ تسليع المياه لم يكن مجرّد تبادل اقتصادي محايد، بل شكَّلَ مثالًا واضحًا على الهيمنة الجيوسياسية لجنوب أفريقيا.[21]
كذلك، تتجنّب معظم الأُسَر في لبنان شرب مياه الصنبور وتُفضِّل شراء المياه المُعبّأة. وترتبط هذه التفضيلات بمفاهيم تتعلّق بالسلامة والسهولة، ما يعكس اتجاهًا عالميًا أوسع نطاقًا.
كشفت دراسة أُجرِيَت في مكسيكو سيتي حول طرق تكيُّف الأُسَر مع مشكلة ندرة المياه عن التكاليف الخفية التي تتكبّدها الأُسَر في ظلّ محدودية توافر المياه. وتشمل هذه التكاليف نفقاتٍ مالية مباشرة، مثل شراء أنظمة تخزين المياه، وأجهزة تنقية المياه، والمياه المُعبّأة، إلى جانب التكاليف غير النقدية، كالإدارة التي تتطلّب جهدًا يدويًا كبيرًا، والحاجة إلى تعديل الجداول اليومية بما يتناسب مع توفّر المياه.[22] وتتأثّر الأُسَر ذات الدخل المحدود بشكل غير متناسب بهذه التكاليف، إذ تتلقّى المياه العامّة بوتيرة أقلّ من غيرها، ممّا يُفاقم أوجه اللاعدالة الاجتماعية ويرسّخ التوزيع غير المتكافئ للمياه. كذلك، تُؤدّي الطبيعة المتقطّعة لإمدادات المياه إلى زيادة المخاطر الصحّية، لا سيّما تلك المرتبطة بأمراض الإسهال.
يُشير مفهوم شبكات الأمان غير الرسمية، كما عرّفها ديفيرو،[23] إلى استراتيجيات التأقلم التي تعتمد على دعم الأُسَر الأخرى في أوقات الشدّة. ويُعرَّف هذا المفهوم بأنّه "مجموعة فرعية من استراتيجيات التأقلم التي تقوم على الحصول على الدعم من أُسَر أخرى خلال فترات الصعوبات المعيشية الخاصّة". لقد شَكَّلَ هذا المفهوم محورًا أساسيًا في الأبحاث المتعلّقة باستراتيجيات التأقلم، إذ غالبًا ما تكون شبكات الأمان غير الرسمية متجذّرة ضمن الاقتصاد الأخلاقي،[24] ورأس المال الاجتماعي، والمؤسّسات المحلّية.[25] تُوفّر هذه العلاقات التبادلية، المتجذّرة في الروابط العائلية أو القرب الجغرافي، دعمًا بالغ الأهمية في أوقات الأزمات. إلّا أنَّ بيال (١٩٩٥) أشارَ إلى أنَّ هذه الأنظمة، في أوساط الفقراء في المناطق الحضرية في باكستان، قد تكون استغلالية وقمعية، ما يُظهِر أنَّ الشبكات الاجتماعية ليست دائمًا منسجمة أو عادلة.
على سبيل المثال، إنَّ توفير المياه بطرق غير رسمية يُبرِز التنوّع في اقتصاديات المياه، وغالبًا ما يكشف عن أبعاد مغفلة في هذا السياق. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، درس علماء الأنثروبولوجيا إنتاج الدخل غير النظامي،[26] لكنَّ الأبحاث التي تناولت تقديم الخدمات غير الرسمية، مثل توصيل المياه، لا تزال محدودة. وفي الكثير من المجتمعات، يُعتمَد على باعة المياه غير النظاميين والسرقة غير القانونية من شبكات المياه البلدية كوسائل شائعة للحصول على المياه.
تُعَدّ هذه الأساليب ضروريةً للبقاء، وقد تُساهِم في تعزيز العدالة في الوصول إلى المياه، إلّا أنَّها قد تؤدّي أيضًا إلى ظهور كارتيلات مياه استغلالية.[27] ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لفهم كيفية مساهمة اقتصادات المياه غير النظامية في تأمين وصول آمن وعادل وموثوق إلى المياه.
في مثالٍ آخر من المراجعات الأدبية، يعتمد سكّان حي "ديفينا بروفيدينسيا" على توصيلات غير قانونية إلى شبكة المياه البلدية، تُعرَف باسم tomas clandestinas. وتقوم هذه التوصيلات بتحويل المياه عبر شبكة معقّدة من الأنابيب البلاستيكية التي تنقل المياه إلى صنابير خلفية في ساحات المنازل. ورغم الطابع غير القانوني لهذا النظام، إلّا أنّه مرئي للعيان ويُنظَّم من خلال لجنة محلّية للمياه تتولّى إدارة الوصول إلى المياه وأعمال الصيانة. "السيّدة روزا وجيرانها يعتمدون على شبكة معقّدة من الصنابير غير المصرّح بها، والعمل غير المأجور، والمعاملات غير المرتبطة بالسوق لتأمين المياه والبقاء على قيد الحياة. وفي ظلّ غياب الشبكة الرسمية، تقوم السيّدة روزا وغيرها من 'السبّاكين الليليّين' ببناء شبكات وتنظيم إدارة ذاتية للمياه التي تعجز البلديات عن توفيرها أو لا تُبدي رغبةً في توفيرها".[28]
علاوةً على ذلك، أثارت دراسات أُجريت في جنوب أفريقيا مخاوف بشأن تراجع الاقتصاد الأخلاقي في أجزاء كثيرة من القارة، مشيرة إلى أنَّ تحويل الخدمات إلى سلع واحتسابها وفق منطق السوق يسهمان في هذا التراجع.[29] يتميّز الاقتصاد الأخلاقي بوجود معتقدات مشتركة حول الحقّ في الكفاف ومعايير تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل. وتُظهِر المراجعات الأدبية أنَّ الاقتصادات الأخلاقية المرتبطة بالمياه تتطوّر بشكل مستقلّ عبر مختلف الثقافات.[30]
علاوةً على ذلك، يلعب بائعو المياه غير النظاميين في مدن أمريكا اللاتينية، مثل كوتشابامبا في بوليفيا، دورًا أساسيًا في تأمين الوصول إلى المياه، ما يُبرز غالبًا فشل الأنظمة الرسمية في توفير الوصول العادل إليها. ويمكن أن تُساهِم هذه الممارسات في تعزيز العدالة من خلال تأمين المياه حيث تفشل الأنظمة الرسمية، لكنَّها قد تؤدّي أيضًا إلى استغلال كارتيلات المياه لها. ففي الكثير من المجتمعات، تُعَدّ شبكات بيع المياه غير الرسمية والتوصيلات غير القانونية بشبكات البلدية بمثابة استراتيجيات بقاء حيوية، كما هو الحال في دور "مافيات المياه" في بنغالور، الهند، حيث يكشف التحكُّم في الموارد المائية عن أوجه الظُلم الاجتماعي والسياسي في المُدُن.[31]
بالتالي، تزداد ضرورة إنشاء شبكات الأمان الرسمية، مثل التحويلات المباشرة وبرامج الأشغال العامّة، لحماية سُبُل العيش.[32]
في لبنان، تعتمد المجتمعات المحلّية على آليات تكيُّف متنوّعة لمواجهة مشكلة ندرة المياه وتلوّثها. ومع ذلك، فإنَّ عدد الدراسات التي تناولت استراتيجيات التكيُّف الخاصّة بالمجتمعات اللبنانية والفلسطينية مقارنةً باللاجئين/ات السوريين/ات لا يزال محدودًا، ونادرًا ما تُركِّز هذه الدراسات على الفئات المُهمَّشة مثل النساء والأطفال وكبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة. تشمل بعض الاستراتيجيات الشائعة التي تعتمدها الأُسَر: تخزين المياه، وتأمين مصادر بديلة للحصول عليها، وتجميع الموارد، وتبادل المياه أو استعارتها من شبكات الدعم الاجتماعي، وشراء المياه من الباعة أو الصهاريج الخاصّة، والاستفادة من خدمات نقل المياه التي تُوفِّرها المنظّمات الإنسانية (كما هو الحال لدى ٢٢٪ من أُسَر اللاجئين/ات السوريين/ات في منطقة البقاع[33]). بالإضافة إلى ذلك، تشتري أُسَر كثيرة المياه المعبّأة من مصادر معروفة أو من أكشاك تعبئة المياه (٥٤٪ من الأُسَر اللبنانية والفلسطينية والوافدة،[34] و٧٪ فقط من أُسَر اللاجئين/ات السوريين/ات في البقاع). [35]وفي حين أنَّ شرب مياه الشبكة أمر شائع بين ٣٢٪ من أُسَر اللاجئين/ات السوريين/ات[36]، تقوم ٣٨٪ من الأُسَر اللبنانية والفلسطينية والوافدة بإدارة المياه وإعادة استخدامها من خلال تقليص الاستهلاك في الحاجات غير الأساسية ومنح الأولوية لاستخدامات المياه الضرورية.
تشمل التدابير الأخرى التي تعتمدها الأسر لمواجهة ندرة المياه كلًا من الربط غير القانوني بشبكات المياه العامّة، وتجميع مياه الأمطار، وجلب المياه من مصادر خارجية. ففي البقاع، يعتمد ٦١٪ من الأسر اللبنانية والفلسطينية والمهاجرة على الرجال في مهمة جلب المياه، بينما يعتمد ٢٣٪ على أي فرد من أفراد الأسرة، و١٦٪ على النساء. ويُقدّر متوسط الوقت المستغرق لجلب المياه بنحو ١٠دقائق تقريبًا. علاوةً على ذلك، تُقدِم ١٥٪ من الأسر التي لا تستخدم المياه المعبأة على معالجة المياه لتحسين جودتها، وتستخدم ٨٣٪ من هذه الأسر فلاتر مياه. وأخيرًا، يُحوّل ٢٢٪ من الأسر اللبنانية والفلسطينية والمهاجرة جزءًا من ميزانيتها من نفقات أساسية أخرى (مثل خزانات المياه أو كلفة تعبئتها بالشاحنات) لتغطية تكاليف المياه، ممّا يُسلِّط الضوء على العبء الاقتصادي الذي تفرضه أزمة انعدام الأمن المائي.
ثانيًا – التجارب الحياتية للمجتمعات المفتقِرة إلى المياه في برّ الياس، لبنان
تُواجِه الأُسَر والأفراد في برّ الياس مجموعةً معقّدة من التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والجسدية التي تُؤثِّر بعمق في حياتهم/نّ اليومية ورفاههم/نّ وتفاعلاتهم/نّ الاجتماعية. وتُعَدّ ندرة المياه وتلوّثها من أبرز المشكلات التي تُؤثِّر على مختلف الفئات، غير أنَّ ما تتميّز به هذه المجتمعات من قدرةٍ على التحمّل وشبكات دعم متبادلة يُساعِدها غالبًا في التكيُّف مع هذه الصعوبات. والجدير بالذكر أنَّ المُشارِكين/ات في المقابلات واجهوا صعوبة في التعبير الكامل عن تأثير انعدام الأمن المائي، غير أنَّ إشاراتهم/نّ غير اللفظية وسردياتهم/نّ الشخصية قدّمت رؤى قيّمة حول تجاربهم/نّ. فيتقاطع انعدام الأمن المائي مع مصاعب أخرى، ما يزيد من حدّة أوجه اللامساواة القائمة، لا سيّما في أوساط الفئات المُهمَّشة. وقد برزَ الاستياء من ندرة المياه كقاسم مشترك بين المُشارِكين/ات، وهو ما أدّى إلى إنهاكٍ نفسي، وتوتّر في العلاقات الأُسَرية، وشعور عام بالعجز وفقدان الأمل. تُشكِّل هذه الضغوط مصدرًا محتملًا للضغط النفسي واضطرابات الصحّة النفسية، ما يزيد من تعقيد التحدّيات الجسدية التي تفرضها أزمة عدم كفاية إمدادات المياه.
ورغم أنَّ هذه النتائج تنبع من واقع بلدة برّ الياس تحديدًا، فهي تعكس تحدّيات أوسع تُواجِه الكثير من المناطق في مختلف أنحاء لبنان. فأنظمة إمداد المياه والمشكلات المرتبطة بها في برّ الياس تُشبِه إلى حدّ كبير ما هو قائم في مناطق أخرى من البلد، ولو بدرجات متفاوتة من حيث حدّة الأزمة. كذلك، إنَّ آليات التكيُّف ومصادر الدعم التي رُصَدَت في برّ الياس من المرجّح أن تكون موجودة أيضًا في مجتمعات أخرى تُكابِد تحدّياتٍ مماثلة تتعلّق بالمياه.
1-التحدّيات البنيوية: السكن والظروف المعيشية
إنَّ شبكة المياه العامّة، التي تمّ تركيبها قبل خمسة عشر عامًا، لا تُوفِّر وصولًا متساويًا إلى جميع أحياء برّ الياس، مثل حي المكاوي وشارع النهرية والسعادة. فالبنية التحتية المتقادمة، لا سيّما أنابيب المياه القديمة، تتسبّب في تسريبات كبيرة وتلوّث المياه، ما يُؤدّي إلى تفاوتٍ في التوزيع، حيث تحصل بعض الأُسَر على مياه نظيفة، بينما تتعرّض أُسَر أخرى لمياه ملوّثة. كذلك، يزيد ضغط المياه المنخفض من تفاقم هذه المشكلات، لا سيّما بالنسبة للأُسَر المقيمة في المناطق المرتفعة، حيث لا تَصِل المياه إليها بشكلٍ متساوٍ.
وتُؤكِّد النتائج أنَّ نظام التزويد المتقطّع بالمياه، المنتشر في مختلف أنحاء لبنان، سائد أيضًا في برّ الياس، حيث لا تُضَخّ المياه إلّا لبضع ساعات أسبوعيًا. وتنتج هذه الحالة عن تقنين توزيع المياه بين مناطق معيّنة، أو عن ضغط المياه غير المنتظم، أو عن شبكة مائية غير كافية لا تَصِل إلى جميع الأحياء بشكل متساوٍ. بالإضافة إلى ذلك، قد تُؤثِّر ظاهرة المحسوبيات والفساد على توزيع المياه، إذ تحظى الأُسَر الميسورة، مثل تلك القريبة من المنتجعات الصيفية أو التي تتمتّع بتوصيلات معيّنة، بوصولٍ أفضل إلى المياه. وقد صرَّحَ جورج، وهو أب لأسرة منخفضة الدخل مؤلّفة من أحد عشر فردًا ويُقيم بالقرب من نهر الليطاني، قائلًا: "لم نرَ المياه في هذا الشارع منذ ١٥سنة، أي منذ أن قاموا بتركيب شبكة المياه الجديدة".
تتفاوت نوعية المياه التي تَصِل إلى الأُسَر تفاوتًا كبيرًا بحسب عمر البنية التحتية وحالتها، ما يُؤدّي إلى مستويات مختلفة من التسرّب والتلوّث، ولا سيّما عندما تُخزَّن مياه الشبكة العامّة ومياه الآبار والمياه المنقولة بالصهاريج معًا في خزّانات على الأسطح. فحتى المياه النظيفة قد تتلوّث إذا خُزِّنت في خزّان غير نظيف. وبالتالي، يتأثّر الوصول إلى المياه النظيفة والآمنة بعدد كبير من العوامل الخارجية والداخلية. وقد أدّى التفاوت في نوعية المياه إلى فقدان الثقة بالمياه العامّة، ما دفع بعض الأسر إلى الاعتماد على المياه المعبّأة التي تُعتبَر أكثر أمانًا. وتُظهِر هذه الحالة كيف تُفاقم الخصخصة وتسليع المياه أوجهَ اللامساواة الاجتماعية، إذ تتمكّن الأسر الميسورة من شراء مياه نظيفة، في حين تُضطرّ الأسر ذات الدخل المحدود إلى استخدام مياه متدنّية الجودة من خزّانات ومصادر ملوّثة.
أظهرت الأبحاث أنّ نظام التزويد المتقطّع بالمياه لا يُلحِق الضرر بشبكة المياه فحسب، بل يُؤدّي أيضًا إلى تدهور نوعية المياه سواء داخل الشبكة أو على مستوى الاستخدام المنزلي.[37] وقد ربطت دراسات عدّة هذا النظام بارتفاع معدّلات الإصابة بالأمراض الإسهالية، ما يزيد من تعقيد القدرة على تأمين مياه متوفّرة باستمرار وغير ملوّثة.[38] غالبًا ما تكون خزّانات المياه موضوعة على أسطح المباني، ما يجعل الوصول إليها صعبًا بسبب الأدراج غير المجهّزة أو المهترئة، لا سيّما للأشخاص ذوي القدرة المحدودة على الحركة. كذلك، إنّ موقع محابس المياه في الطابق الأرضي يشكّل عائقًا إضافيًا نظرًا إلى أنّ السكّان يقيمون في الطوابق العليا. أمّا في المساكن المؤقّتة وغير السكنية، فلا توجد أيّ وصلة بشبكة المياه العامّة، ما يترك القاطنين من دون أيّ إمكانية للوصول إلى مياه نظيفة.
غالبًا ما تستفيد الأسر الأكثر ثراءً من وصول أفضل إلى المياه من خلال أنظمة معالجة وترشيح خاصة لا تستطيع الأسر ذات الدخل المنخفض تحمّل تكلفتها. والجدير بالذكر أنّ الطرق غير مصمّمة لتلبية احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، مما يحدّ من قدرة مستخدمي الكراسي المتحرّكة على التنقّل، لا سيّما عند محاولة شراء المياه من المتاجر. إضافةً إلى ذلك، إنّ استخدام مضخّات مياه أكثر قوّة في بعض المباني يقيّد وصول المياه إلى الأسر الواقعة بعد هذه المباني على خط الشبكة. ويبقى عدد نقاط المياه المتاحة محدودًا، وغالبًا ما تكون غير نظيفة، مع الإشارة أيضًا إلى أنَّ قُرب مدارس الأونروا والمدارس الرسمية جغرافيًا من نهر الليطاني الملوّث يُؤثِّر سلبًا على صحّة الأطفال. وأخيرًا، يتمّ تصريف مياه الصرف الصحّي غير المُعالَجة من الحفر الصحّية في المستوطنات غير النظامية إلى شبكة الصرف الصحّي في برّ الياس، ما يُؤدّي في نهاية المطاف إلى وصولها إلى نهر الليطاني.
2-قيود التنقّل والتحدّيات التقاطعية
تُظهر أعمال البحث الميداني كيف أنَّ محدودية القدرة على التنقّل الجسدي لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السنّ، والمرضى، والنساء الحوامل تُعيق بشكل كبير قدرتهم/نّ على إدارة مسؤوليات المياه المنزلية. فالمهام التي قد يعتبرها الكثيرون بديهيةً، مثل التحقُّق من جودة المياه المنقولة بالصهاريج، وتشغيل المضخّات، وحمل عبوات المياه، ونقل الغسيل، تصبح صعبة للغاية بالنسبة لهذه الفئات. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب المرافق الصحّية المُكيَّفة، مثل أحواض الاستحمام المرتفعة أو المقابض الخاصّة، يُقيّد قدرة هذه الفئات على أداء وظائفها اليومية. أمّا الأفراد الذين يعانون من ضعف صحّي أو ممّن يحتاجون إلى علاجات مزمنة، فانخفاض مستوى طاقتهم/نّ واستقلاليتهم/نّ يَحول دون قدرتهم/نّ على تنفيذ المهام المتعلّقة بالمياه بفعّالية.
في ما يتعلّق بمعظم المشاركات من النساء ذوات الإعاقة، لم يتزعزع شعورهنّ بالاستقلالية، إذ واصلن إدارة شؤون النظافة الشخصية، والتنظيف، وشراء المياه المعبّأة. ومع ذلك، أشرن أيضًا إلى شعور بالعزلة الاجتماعية وتقلّص في الأنشطة، ويرتبط ذلك إلى حدٍّ كبير بارتفاع كلفة المعيشة بما في ذلك ارتفاع أسعار المياه والكهرباء وتراجع قدرتهن الشرائية. وقد فاقم هذا الضغط الاقتصادي من شعورهن باللاعدالة والتهميش. وفي المقابل، عبّرت هؤلاء النساء عن رغبتهن في تحقيق مزيد من الإدماج، وأملن في أن تتم دعوتهن للمشاركة في المنظّمات المحلّية والأنشطة الاجتماعية التي كانت متاحة لهن قبل الأزمة الاقتصادية. ورغم محدودية حركتهن، اعتبرت المشاركات في المقابلات الخروج لشراء المياه، حتى أثناء استخدام الكراسي المتحركة، تجربة ممتعة ومُعزِّزة للشعور بالتمكين. وتُجسّد هذه الجهود أشكالًا من الابتكار الاجتماعي والتطوّر المُفعَّل من خلال الشدائد، حيث يجد الأفراد والأُسر طرقًا تحوّلية وإيجابية للاستجابة للمحن.[39]
من المثير للاهتمام أنَّ الجهات المعنيّة غالبًا ما تنظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة على أنَّهم/نّ يستخدمون نفس مصادر المياه التي يستخدمها باقي أفراد الأسرة، من دون الاعتراف بالتحدّيات الخاصّة التي يُواجهونها في الوصول إلى هذه المصادر. إلّا أنَّ إحدى المنظّمات المتخصّصة في العمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة أشارت إلى أنَّ النساء ذوات الإعاقة يواجهن خطرًا متزايدًا من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأنَّ الأشخاص ذوي الإعاقة غالبًا ما يُهمَّشون في برّ الياس، حيث يعانون من التغييب ومن انعدام الوصول إلى المعلومات والموارد الأساسية، تمامًا كما هو الحال في مناطق أخرى من لبنان. وأضافت المستجيبة نفسها أنَّ بعض الحوادث التي وقعت أدّت إلى إصابات ووفيات في صفوف أشخاص ذوي قدرة محدودة على الحركة أثناء محاولتهم/نّ ملء خزّانات المياه، ما يُسلِّط الضوء بشكل إضافي على الحاجة الملحّة إلى توفير دعم مصمّم خصّيصًا وإيلاء اهتمام أكبر لهذه الفئة الهشّة.
3-تسليع المياه والحواجز الاقتصادية
كشفت المقابلات مع الأُسَر عن زيادة كبيرة ومقلقة في كلفة المياه، ما فرضَ عبئًا ماليًا ثقيلًا على العائلات في برّ الياس. ففي حزيران/يونيو ٢٠٢٤، ارتفع ثمن ١٠٠٠ ليتر من المياه المنقولة بالصهاريج إلى ٥٠٠ ألف ل.ل، أي بزيادة هائلة بلغت ٢٤٤٪ مقارنةً بسعر ١٤٥ ألف ل.ل الذي وثّقته اليونيسف في نيسان/أبريل ٢٠٢٢.[40] كذلك، ارتفعَ سعر عبوة مياه مفلترة بسعة ١٠ ليترات إلى ٥٠,٠٠٠ ل.ل، بعدما كانَ ١,٠٠٠ ل.ل فقط، أي بزيادة قدرها خمسين ضعفًا. أمّا سعر عبوة مياه معبّأة من علامة تجارية بسعة ١.٥ ليتر، والتي تُستخدَم غالبًا في المنازل التي فيها أطفال رُضَّع، فقد بلغ ٣٠٠,٠٠٠ ل.ل، وهي كلفة تعجز عن تحمُّلها أُسَر كثيرة إلّا في حالات الضرورة القصوى. علاوةً على ذلك، ارتفعت كلفة الكهرباء اللازمة لضخّ المياه العامّة ذات الضغط المنخفض ومياه الآبار بشكلٍ كبير، لتُشكِّل نحو ٤٣٪ من إجمالي النفقات المرتبطة بالمياه، أي ما يُعادِل ٣٠ دولارًا من أصل فاتورة مياه يبلغ مجموعها ٧٠ دولارًا. ويُعَدّ هذا الارتفاع الحادّ في النفقات أعلى بكثير من العتبة العالمية التي تُمثِّل ٣٪ من دخل الأُسَر لإنفاقها على المياه،[41] ما يُفاقم الضغط المالي الكبير الذي تُعانيه الأُسَر ذات الموارد المحدودة.
بالإضافة إلى ذلك، أفادت معظم الأسر بأنها لم تسدِّد رسم الاشتراك السنوي الثابت للمياه، والذي يبلغ ١٠,٠٠٠,٠٠٠ ليرة لبنانية، بسبب غياب جابي المؤسّسة العامّة للمياه في البقاع، وكتعبير عن الاعتراض على غياب الخدمة المنتظمة لتوزيع المياه. والمفاجئ أن أيًا من هذه الأسر لم يشر إلى الكلفة المترتبة عن هذا الامتناع، ما يُشير إلى أن المياه باتت موردًا نادرًا إلى درجة أن الرسم السنوي لم يعد يُنظر إليه كأمر ذي صلة عندما يكون الحدّ الأدنى من الوصول إلى المياه غير متوافر.
أدّى الأثر التراكمي لارتفاع كلفة المياه، إلى جانب الزيادات المستمرة في نفقات أخرى، إلى لجوء الكثير من الأسر إلى الاعتماد بشكل كبير على بدائل أقلّ كلفة، مثل مياه الصنابير أو مياه الآبار، أو على المياه المُفلترة المتوفّرة بأقلّ سعر ممكن. ويترتّب عن هذا الاعتماد على مصادر مياه أقلّ جودة آثار سلبية على الصحّة والاستقلالية والقدرة على أداء المهام اليومية. كذلك، تُثير هذه الحالة أسئلة ملحّة حول كيفية تمكّن الأسر من تحمّل هذه النفقات المرتفعة، لا سيّما عند مقارنتها بمحدودية دخلها. وقد أشار الكثير من المُشارِكين/ات إلى أنَّهم/نّ يعتمدون على التحويلات المالية من الخارج وعلى شبكات الدعم الاجتماعي لتأمين التكاليف الأساسية.
هذا الواقع لا يقتصر على برّ الياس، بل يعكس الوضع العام في مختلف أنحاء لبنان، حيث أدّى الارتفاع المتواصل في كلفة الخدمات الأساسية، إلى جانب الانهيار الحاد في قيمة الليرة اللبنانية، إلى تفاقم الضغوط المالية التي تعاني منها الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط. هذه الأسر، التي تعاني أساسًا من تراجع القيمة الفعلية لأجورها وفقدان قدرتها الشرائية، باتت اليوم عاجزة عن تحمّل التكاليف الباهظة للخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه، مما يفاقم معاناتها اليومية بشكل كبير.
4-فقدان الاستقلالية والسعي نحو التمكين
لقد أدّت التداعيات المتتالية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى شعورٍ عميق بفقدان الاستقلالية لدى المستجيبين/ات إلى الأسئلة في الدراسة، ممّا سبَّبَ لهم/نّ ضغطًا نفسيًا كبيرًا. وعلى الرغم من أنَّ قلّة المياه وتلوّثها يُعتبَران مشكلتَيْن بالغتَيْ الخطورة، فإنَّ الكثير من المُشارِكين/ات في الدراسة يرونهما أقلّ وطأة مقارنةً بالأزمات الأوسع نطاقًا، مثل التدهور الاقتصادي، وأزمة النفايات الصلبة، وغيرها من التحدّيات المتداخلة التي تُؤثِّر في حياتهم/نّ اليومية. في مواجهة هذه التحدّيات، تعمد الأُسَر إلى التكيُّف من خلال اعتماد آليات مختلفة للتأقلم، مثل الانتقال الموسمي إلى منازل أفراد العائلة الممتدّة حيث تتوفّر المياه بشكل أفضل، وشراء المياه المنقولة بالصهاريج أو المياه الصالحة للشرب، وجلب المياه بأنفسهم/نّ، وتقليص معدّلات الاستهلاك. ولكنَّ هذه التدابير ليست حلولًا فعلية، بل هي حلول مؤقّتة فرضَها واقعٌ لا يُوفِّر بدائل مُجدية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأساليب واقعًا جديدًا يعكس قبولًا بالخيارات المحدودة ويُكرِّس أكثر فأكثر شعور العجز وفقدان السيطرة. ونتيجةً لذلك، أعربَ المستجيبون/ات بشكل متكرّر عن مشاعر التوتّر والإرهاق والتعب النفسي الناتج عن عدم قدرتهم/نّ على استعادة السيطرة على ظروفهم/نّ المعيشية.
يُعَدّ فقدان الاستقلالية أكثر حدّةً لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ يُواجِهون/نَ تحدّياتٍ مضاعفة نتيجة التمييز الاقتصادي والعزلة الاجتماعية. وفي هذا السياق، قالت سميرة، وهي امرأة فلسطينية من ذوي الإعاقة: "لا أستطيع تحريك ساقيّ، لكنْ يمكنني تحريك ذراعيّ، وأُبصر جيّدًا، وأستطيع أن أعمل وأنا جالسة". على الرغم من استعداد سميرة وقدرتها على العمل، تواجه اعتبارات مجتمعية تنظر إليها على أنّها غير قادرة على العمل. والواقع أنَّ كلفة النقل المرتفعة والأزمة الاقتصادية تزيدان من عزلتها وعزلة من هم في مثل حالتها، إذ تُجبرهم/نّ على إعطاء الأولوية للنفقات المنزلية العاجلة، مثل المياه والطاقة والدواء، على حساب استقلاليتهم/نّ ومشاركتهم/نّ في المجتمع. وقد أدّى تآكل القدرة الشرائية إلى زيادة التبعية، ما سبّب شعورًا بالإحباط وعمّق الإحساس العام بفقدان السيطرة.
بالرغم من هذه العوائق، لا يزال الكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة مُصمِّمين/ات على تأكيد استقلاليتهم/نّ. فقد عبَّرت فرحة، وهي امرأة لبنانية من ذوي الإعاقة، عن اعتزازها بالاعتماد على نفسها، قائلةً: "لا أحبّ الاعتماد على أحد، وأُفضِّل القيام بكلّ الأمور بنفسي. وإذا اضطررت إلى طلب المساعدة، أطلبها من ابن عمّي، وقد طلبتُ منه أن يساعدني في إيجاد عمل، فأجابني: 'لا داعي لذلك'. إنَّه لا يفهم حاجتي إلى العمل". تُجسِّد كلمات فرحة صمود الأشخاص الذين يسعون جاهدين إلى استعادة استقلاليتهم/نّ في سياقٍ يُواصِل تقويض هذه الاستقلالية.
5-التنازع على الموارد النادرة: المياه، واللامساواة، والصراعات الاجتماعية
إنّ ترك إدارة موارد المياه النادرة للمجتمعات المحلّية من دون وجود تنظيم واضح يُؤدّي إلى تفاقم أوجه اللامساواة وتصاعد التوتّرات. فالأسر المهمّشة وذات الدخل المنخفض، التي غالبًا ما تفتقر إلى الموارد المالية أو الجسدية لضخّ المياه، تتأثّر بشكل غير متكافئ. وفي كثير من الأحيان، تستخدم الأسر التي تقع في بداية الشوارع مضخّات لسحب المياه ذات الضغط المنخفض، ما يترك الأسر الأخرى الواقعة في نهاية الشوارع من دون مياه. وتؤدّي هذه الممارسات إلى نشوء نزاعات محلّية تتفاقم بفعل ازدياد ندرة المياه والضغط السكّاني. وتُظهر هذه الديناميات كيف يمكن للوصول غير العادل إلى الموارد الأساسية أن يُشعل التوتّرات الاجتماعية ويزيدها حدّة، لا سيّما في أوساط الفئات الهشّة.
تزداد هذه المشكلة تعقيدًا في ضوء التطوّرات الأخيرة. فقد أشارَ المعنيّون إلى أنَّ الآبار الجديدة في عين البيضا وجبيلي، التي كان من المفترض أن تُسهِم في تعزيز إمدادات المياه لبرّ الياس والقرى المجاورة، قد تلوّثت بمياه الصرف الصحّي. أصبحت الألواح الشمسية المُركّبة على هذه الآبار، والتي كان يُفترض أن تُحسِّن من كفاءتها، تُعتبَر لدى كثيرين رمزًا للفساد. أما مشروع إنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحّي في كفرزبد، فقد توقّف نتيجة الخلافات السياسية والطائفية. ولم يشر سوى عدد قليل من المعنيّين إلى وجود خطة بديلة لا تزال بانتظار الموافقة، ما يترك الوضع من دون حلّ.
وتنشأ توترات إضافية بسبب تحويل المياه المعالجة من محطة معالجة مياه الصرف الصحّي في زحلة لاستخدامها في ريّ أراضي زحلة، ما يترك مزارعي برّ الياس من دون كميات كافية من المياه لتأمين احتياجاتهم/نّ الزراعية. وقد أسهمَ ذلك في ركود مياه نهر الليطاني وتزايد المخاطر الصحّية فيه، كما عمَّقَ شعور الظلم المترسّخ بين سكّان برّ الياس.
تُثير المخاوف المتعلّقة بخفض التمويل المخصّص لخدمات المياه والصرف الصحّي والنظافة الصحّية في المستوطنات غير النظامية مخاطر كبيرة أيضًا[42]. قد تؤدي هذه التخفيضات إلى مخاطر بيئية وصحية جسيمة، و قد تُشعل توترات داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة، لا سيّما بين اللاجئين/ات السوريين/ات والمقيمين اللبنانيين. وتُعدّ برّ الياس، التي تضمّ عددًا كبيرًا من المستوطنات غير النظامية، من المناطق الأكثر عرضة لمثل هذه التوترات. إنّ مواقع المياه العشرة المزوّدة بأنظمة التناضح العكسي والطاقة الشمسية بالقرب من المستوطنات غير النظامية، والتي أُنشئت في الأساس للتخفيف من تحدّيات الوصول إلى المياه، لا تزال خارج الخدمة. وإذا ما تمّ تشغيلها، فإنّها قد تتحوّل إلى نقطة توتّر ومصدر تنافس وصراع بين الأسر اللبنانية الفقيرة واللاجئين/ات السوريين/ات.
شَكَّلت المنافسة بين السوريين/ات واللبنانيين/ات على فُرَص العمل والوصول إلى المياه محورًا متكرّرًا في المقابلات. وقد عَبَّرَ الكثير من المُشارِكين/ات اللبنانيين/ات عن اعتقادهم/نّ بأنَّ وجود اللاجئين/ات السوريين/ات يُفاقِم مشكلات تلوّث المياه، ومياه الصرف الصحّي غير المُعالَجة، والنفايات الصلبة، فضلًا عن زيادة المخاوف المتعلّقة بالسلامة العامّة. رأى بعض المُشارِكين/ات اللبنانيين/ات أنَّ اللاجئين/ات يتمتّعون/نَ بوصولٍ أفضل إلى المياه، إمّا من خلال توصيلات غير قانونية أو عبر خدمات نقل المياه المدعومة من قبل المنظّمات. غير أنَّ آخرين أقرّوا بمساهمات المستأجرين السوريين الاقتصادية، لا سيّما في تعزيز الحركة التجارية في المنطقة. وأشارَ المُشارِكون/ات غالبًا إلى أنَّ البلديات والسلطات المحلّية تؤدّي دورًا حاسمًا في حلّ النزاعات المتعلّقة بالمياه.
وتمّ تسليط الضوء على استخدام المياه الملوّثة في الريّ كأحد أبرز أسباب التنازع، إذ يتنافس المزارعون على موارد مائية محدودة أساسًا. وعلى غرار مناطق أخرى في لبنان، ينظر الكثير من اللبنانيين/ات إلى اللاجئين/ات على أنَّهم/نّ يُساهِمون في تدهور البيئة، بما في ذلك تلوّث المياه، ممّا يؤجّج الأحكام المسبقة ويُعزّز التردّد في التصدّي للتحدّيات المشتركة بشكل جَمَاعي. وتُسهم هذه النظرة السائدة في خلق حلقة مفرغة من النزاعات، فتُعمّق الانقسامات وتُفاقم حدّة التنافس على الموارد الشحيحة.
6-التحدّيات البيئية
تُساهِم الظروف المناخية في برّ الياس، مثل موجات الحرّ والأمطار الغزيرة والفيضانات، في صعوبة الحياة اليومية للسكّان. وتؤدّي الفيضانات الشتوية وقطع الطرقات إلى تعطيل الحركة الاقتصادية المحلّية، وتقييد التنقّل، وإغلاق المدارس لأسباب تتعلّق بالسلامة العامّة. ويُفاقِم الموقع الجغرافي للبلدة، الذي يأخذ شكل الحوض، من هذه التحدّيات، إذ يتسبّب بتجمّع مياه الأمطار واختلاطها بمياه الصرف الصحّي، ما يُؤدّي إلى تلوّث شديد في المياه الجوفية.
تحوّل نهر الليطاني، الذي كانَ في السابق مساحة مجتمعية محبوبة للراحة والتلاقي الاجتماعي، على مدى العقود إلى خطرٍ جسيمٍ على البيئة والصحّة العامّة. ويُبرِز هذا التحوّل مبادئ العدالة البيئية والمساواة، إذ أنَّ عبء التلوّث يقع بشكل غير متكافئ على عاتق المجتمعات المهمّشة مثل برّ الياس. وتتحمّل الفئات السكّانية الهشّة الجزء الأكبر من هذا التدهور البيئي، ما يُؤدّي إلى تدهور الصحّة العامّة وجودة الحياة.
فعلى سبيل المثال، تتأمّل سميرة، وهي امرأة من ذوات الإعاقة، في كيف أن تلوّث النهر قد حرمها من ملاذ طبيعي قريب كانت تلجأ إليه. وتستذكر كيف أن الوصول إلى نهر الليطاني النظيف كان من الممكن أن يوفّر لها الراحة النفسية والإحساس بالترابط مع الطبيعة. وتظهر في هذا الإطار الآثارَ المركّبة للتحدّيات الاقتصادية والبيئية على الأفراد المهمّشين إذ تذكر هنا عدم قدرتها على تحمّل كلفة التنقّل إلى بحيرة تعنايل.
يُجمع سكّان برّ الياس على أنّ تدهور نهر الليطاني يعود إلى تصريف مياه الصرف الصحّي غير المعالجة من محطّة معالجة مياه الصرف الصحّي في زحلة، وإلى التسرّب الصناعي، والمواد الكيميائية الزراعية، والنفايات الصلبة. وتشمل الآثار الصحّية المرتبطة بهذه الملوّثات مشكلات في الجهاز التنفسي، وصداع، وارتفاعًا في حالات السرطان، كما في حالة وداد، وهي إحدى المتعافين من مرض السرطان لا تزال تتكبّد الروائح الكريهة والملوّثات المنبعثة من النهر. لجأ المجتمع المحلّي إلى آلياتٍ بدائية للبقاء، مثل إغلاق النوافذ، وزراعة الأزهار العطرة كالياسمين للتخفيف من وطأة الروائح الكريهة، أو النوم على الأرض خلال ليالي الصيف الحارة من دون مكيّف هواء.
يُعبِّر الكثير من السكّان عن شعورهم/نّ باليأس حيال عجزهم/نّ عن إحداث أيّ تغيير. وقد عَلَّقَ جورج بِأَسى قائلًا: "لم يعد شيء يؤثّر فينا... لقد اعتاد جسدنا على تلوّث نهر الليطاني... واكتسبنا مناعةً تجاه كلّ شيء". وعلى الرغم من الشكاوى، ترفض العائلات مغادرة منازلها خوفًا من التبعات الاجتماعية والاقتصادية للنزوح. ومع ذلك، يسودُ شعورٌ عميقٌ بالندم، خصوصًا لدى الأهل مثل أحمد، الذين يُعبِّرون عن أسفهم لتوريث أبنائهم أرضًا ملوّثة.
أدّت هذه الأوضاع إلى شعور عميق باليأس وانعدام الثقة بالسلطات. وقد اعترف جورج قائلًا: "قرّرت أن أتوقّف عن الكلام... لا أحد يهتمّ لأمرنا". وتشوب اتهاماتٌ بالرشوة والفساد السلطات المحلّية، بما في ذلك البلدية التي عجزت عن معالجة الأزمة. ويُقال إنّ رئيس البلدية نفسه يُغلق نوافذ منزله ويستخدم جهاز التكييف بدلًا من معالجة المشكلة. وتجدر الإشارة إلى أنّ مشاريع البناء غير القانونية التي ينفّذها أصحاب النفوذ تُفاقم التفاوتات القائمة، ما يزيد من مشاعر الغضب والعجز لدى السكان.
عبّر عدد من المشاركين الذكور، على وجه الخصوص، عن مشاعر استياء شديدة وسلوك عدائي في بعض الأحيان، ناجمة عن شعور عميق باللاعدالة. وقد صرّح جورج قائلًا: "في ظلّ المحسوبيات وغياب المساواة أمام القانون، لا أمل في هذا البلد. نحن نعيش في دولة مافيا".
رغم أن الحكومة حظرت استخدام نهر الليطاني في الري، لا يزال بعض المزارعين يعتمدون عليه، مما يخلق أسباب للتنازع حول الموارد المائية الشحيحة. وعلى الرغم من التحركات والاحتجاجات، مثل حملة "ما بدي الليطاني يقتلني"، فإن غياب الإرادة السياسية واستشراء الفساد حالا دون تحقيق أي تقدّم ملموس. وقد حاولت للجنة الخاصّة بمتابعة موضوع التلوث في نهر الليطاني التصدي لأزمة التلوث، غير أنّ جهودها لم تُثمر سوى نتائج محدودة، ما جعل المجتمع يشعر بأنه متروك ولا صوت له.
الهواجس والتحدّيات الصحّية
أجمع المستجيبون/ات على أن تلوّث نهر الليطاني هو السبب الرئيسي للزيادة المقلقة في حالات السرطان في برّ الياس. إضافةً إلى ذلك، أشارت الأسر التي تضمّ أطفالًا صغارًا إلى هواجس صحية كالإسهال والطفح الجلدي ومشكلات الكلى. وفي حين أن هذه الحالات قد تنجم عن تلوّث المياه، أو الطقس، أو جودة الطعام، أو الظروف المعيشية بشكل عام، غير أنها تولّد أعباء نفسية ومالية كبيرة على الأسر. كما يُساهم ارتفاع تكاليف الرعاية الصحّية وتدهور نوعية الحياة في تفاقم هذه التحدّيات، ما يُثقل كاهل الأسر الأكثر ضعفًا.
تُجسِّد قصة فاطمة، وهي امرأة سورية حامل وأمّ لخمسة أطفال، المخاطر الجسيمة التي تُواجِهها الفئات المهمّشة. تعيش فاطمة في مأوى غير سكني، حيث تُجبَر - حتّى أثناء فترة حملها - على تأمين الماء يوميًا، وهي مَهمّة شاقّة تستغرق ثلاث ساعات. تضطر هي وعائلتها إلى الاعتماد على مياه رملية ملوّثة من مصدر مياه قريب نظرًا إلى عدم قدرتهم/نّ على تحمُّل كلفة البدائل الصالحة للشرب. وهذا يُعرِّضها هي وجنينها وأطفالها الصغار لمخاطر صحّية جسيمة، ممّا يُفاقِم هشاشة وضعهم/نّ.
عبّرت فاطمة عن مخاوفها قائلةً: "أشعر بالقلق في كلّ مرة يشرب فيها أطفالي من هذه المياه الملوثة. نعاني أنا وابنتي من مشكلات في الكلى، وأعلم أنها ناجمة عن المياه، لكن ليس لدينا خيار آخر". يُبرز هذا الوضع كيف تُثقل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية كاهل النساء، ولا سيّما الحوامل والمصابات بأمراض مزمنة، من خلال تحميلهنَّ مسؤولية إدارة المياه غير الآمنة، ما يزيد من الضغوط الجسدية والنفسية التي يعانين منها.
يواجه كبار السنّ في برّ الياس، على الرغم من أنهم قد يوحون بالاستقلالية، قيودًا جسدية كبيرة تُعيق قدرتهم على إدارة احتياجاتهم من المياه. غالبًا ما تُصبح المهام مثل حمل المياه أو تشغيل المضخات شاقة، ما يُجبرهم على الاعتماد على أفراد الأسرة والجيران. لا يُسبب هذا الاعتماد التوترات والخلافات حول توزيع المياه فحسب، بل يُفاقم أيضًا المخاطر الصحّية لكبار السنّ المصابين بأمراض مزمنة.
على سبيل المثال، شاركنا أبو عماد، وهو رجل يبلغ من العمر ٧٧ عامًا ويعاني من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، معاناة هذه التحدّيات: "لا أستطيع تحمل التوتر، سيّما وأنني أعاني من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. عندما أجادل، يبدأ قلبي بالخفقان بسرعة، وأشعر بضيق في التنفس". تُشير هذه القيود الجسدية والتوترات المتزايدة داخل الأسر إلى الآثار المُضاعفة للبنية التحتية غير الكافية وندرة الموارد على الفئات السكّانية الضعيفة.
أخيرًا، تعكس التحدّيات التي تواجهها النساء والأطفال وكبار السنّ تفاوتاتٍ جوهرية أوسع تنتهك الحق الأساسي في الحصول على المياه. فالتمييز الاقتصادي ضد ذوي الإعاقة، والتفاوتات الجغرافية في السكن، والبنية التحتية غير الكافية، تُساهم في إدامة حلقات الضعف والتبعية. وتتفاقم هذه التفاوتات بسبب أوجه الظلم البيئية، مثل التلوث الشديد لنهر الليطاني، الذي يؤثر بشكل متفاوت على المجتمعات ذات الدخل المنخفض والمهمّشة.
ثالثًا - استراتيجيات التكيُّف: أنظمة التكيُّف الفردية والأُسَرية
في ظل التحدّيات المتفاقمة المتمثلة في ندرة المياه، والصعوبات الاقتصادية، والتدهور البيئي، ابتكرت الأسر والأفراد في برّ الياس استراتيجيات تكيف متنوعة لمواجهة معاناتهم اليومية. تعكس آليات التكيف هذه، المتجذرة في القدرة على التصرف والمرونة، قدرة المجتمع على التكيف رغم محدودية الموارد. بدءًا من إدارة المياه على مستوى الأسرة، مرورًا بالاعتماد على دعم المجتمع والأسرة، فضلًا عن الاستفادة من القدرات الشخصية، تُبرز هذه الاستراتيجيات الإبداع وأوجه عدم المساواة الكامنة في استجاباتهم للشدائد.
تشمل آليات التكيُّف الرئيسية التي تمّ تحديدها بين المستجيبين/ات ثلاث استراتيجيات رئيسية: إدارة الموارد، ودعم المجتمع والأسرة، والقوّة الشخصية والمرونة.
١- إدارة الموارد
بناءً على نتائج هذه الدراسة، يمكن تصنيف إدارة موارد الأسرة إلى عنصرين رئيسيين:
١. توفير مصادر مياه بديلة للأسرة، الأمر الذي يتطلّب جهودًا إدارية خارجية للوصول إلى المياه،
٢. إدارة المياه المنزلية للأسرة، والتي تشير إلى كيفية إدارة الأُسَر للمياه بعد الوصول إليها.
وعلى عكس النهج الحقوقي في الحصول على المياه، الذي ينص على أن تكون المياه متاحة بشكل سهل وآمن للجميع، تتحمل الأسر في هذا السياق مسؤولية توفير المياه وإدارتها بطرق متنوعة.
|
يشمل حقّ الإنسان في المياه حصولَ الجميع على إمدادات كافية من المياه وخدمات صرف صحّي تكون آمنة ومقبولة، ويمكن الوصول إليها بدنيًا، وبتكلفةٍ معقولة. تمّ الاعتراف بهذا الحقّ صراحةً وضمنيًا في اتّفاقيات مثل اتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، واتّفاقية حقوق الطفل، واتّفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى العديد من المعاهدات الإقليمية المتعلّقة بحقوق الإنسان والبيئة. ويندرج هذا الحقّ ضمن إطار الحقّ في مستوى معيشي لائق والحقّ في الصحّة المنصوص عليهما في العهد الدولي الخاصّ بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبموجب معاهدات الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، فإنَّ الدول مُلزَمة بتقديم تقارير دورية عن تنفيذها لهذا الحقّ. ويشمل ذلك أيضًا الوصول إلى المعلومات المتعلّقة بقضايا المياه والصرف الصحّي والتثقيف الصحّي، من دون تمييز على أساس النوع الاجتماعي. ويرتبط هذا الحقّ بحقوق الإنسان الأخرى، كالحقّ في الغذاء والحياة والصحّة والتعليم والسكن اللائق والحقوق المدنية والسياسية. ولقد أقرَّ قانون المياه اللبناني رقم ١٩٢/٢٠٢٠ بالحقّ في المياه بموجب المادّة ٢: لكلّ إنسان الحقّ الأساسي في الحصول على المياه اللازمة لاحتياجاته، التي تُؤمِّن المتطلّبات الأساسية لحياة كريمة. وذلك يُبرِّر إلزام المستفيدين/ات بدفع بدلات الاشتراك عن استخدامهم/نّ للمياه. ويُعَد الصرف الصحّي، أي إزالة مياه الصرف الصحّي ومعالجتها، أحد عناصر الحقّ في الحصول على المياه. غير أنَّ التنفيذ الكامل لا يزال معلقًا في انتظار صدور المراسيم التنفيذية.
|
|
المربع رقم ١ - المياه الآمنة كأحد حقوق الإنسان الأساسية
|
يعكس المشهد في برّ الياس حالة الكثير من المناطق اللبنانية التي تُعاني من انقطاع إمدادات المياه. ووفقًا لقانون المياه، يُفترَض أن تضمن مؤسّسات المياه حصول المنازل على خدمات مياه نظيفة وآمنة وبأسعار معقولة، بالإضافة إلى توفير خدمات الصرف الصحّي لجميع الأغراض المنزلية. غير أنَّ مسؤولية إدارة استخدام المياه والحفاظ عليها ودفع رسوم اشتراك سنوية تُسنَد إلى الأُسَر، ممّا يُبرِز الفجوة بين القانون والواقع المعيشي.
أ- توفير مصادر مياه بديلة للأُسَر:
لمواجهة التحدّيات المتولّدة عن انقطاع إمدادات المياه العامّة، يعتمد معظم المستجيبين/ات بشكل كبير على مصادر المياه غير الرسمية الخاصّة، مثل الآبار الخاصّة وصهاريج المياه، ويستخدمون مياه الصنبور بشكل محدود لأغراض التنظيف والنظافة. وغالبًا ما تكون إمدادات المياه العامّة متقطعة، تتراوح بين ثلاثة أيام ويومين في الأسبوع، حيث تعاني بعض الأسر من انقطاعات تستمر لشهر كامل.
أما للشرب والطبخ، فغالبية المستجيبين/ات يشترون المياه المعبأة من محلات تصفية المياه المحلّية أو متاجر البقالة التي تقع على بُعد عشر دقائق سيرًا على الأقدام. وعلى الرغم من عدم توفر نتائج فحص رسمية للمياه المعبأة، يعوّل بعض المستجيبين/ات، مثل سميرة، على ضمير أصحاب محلات تصفية المياه المحلّية.
غير أنّ بعض المستجيبين/ات، ولا سيّما أولئك الذين لا يستطيعون شراء المياه المعبأة، يواصلون شرب مياه الصنبور، مُقيّمين جودتها بناءً على مذاقها أو الأمراض التي تُسببها، على حدّ قول أبو عماد. غالبًا ما يُعطى الأطفال حديثي الولادة مياه معبأّة ذات علامات تجارية، بينما تعتمد بعض عائلات اللاجئين/ات السوريين/ات على صهاريج مياه غير نظيفة وصدئة مُقدّمة مجانًا أو من نقاط مياه عامة.
عبّر معظم المستجيبين/ات عن قلقهم إزاء جودة مياه الصنبور المتقلبة، حيث تتراوح بين النظيفة والملوثة، مع وجود طعم كلور واضح أحيانًا. في المقابل، تُوصف مياه الآبار باستمرار بأنها غير نظيفة، ذات مذاق رملي أو مالح أو كريه الرائحة. وفي حين تُعتبر مياه الصنبور الخيار الأنظف، تليها المياه المنقولة بالصهاريج، تُعدّ مياه الآبار الأقل نظافة.
وعلى الرغم من الهواجس بشأن نظافة المياه المنقولة بالصهاريج ومحلات تصفية المياه وشرعيتها، لا يزال عدد كبير من الأسر يعتمد على هذه المصادر بسبب غياب البدائل. وقد شارك مستجيبون/ات، مثل محمد ووداد، تجاربهم في العثور على ملوّثات، مثل الأسماك في خزانات المياه، وأعربوا عن علمهم بأنه يتم الحصول على المياه من نبع شمسين من دون تصاريح سليمة أو مراقبة على جودة. وقد أدى بروز محلات جديدة لتصفية المياه منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية إلى اعتبار البعض هذه المؤسسات على أنها فاسدة.
بالنسبة إلى بعض المستجيبين/ات، كسكان تجمعات الخيام غير الرسمية، تُعتبر المياه المنقولة بالصهاريج التي توفرها منظّمات الإغاثة صالحة للشرب، ومُختبرة، ومتوفرة بانتظام. وتُعتبر هذه المياه المصدر الوحيد الدائم لمياه الشرب الآمنة لهذه المجتمعات.
تعتمد العديد من الأسر أيضًا على المياه العامّة من صمامات المنازل الرئيسية أو صنابير الجيران، بينما تمتلك أسر أخرى خزانات مياه متصلة بآبار الجيران أو مالكي العقار. غير أنّ معظم الأسر تخزّن مياه الصنبور والآبار والمنقولة بالصهاريج في خزان واحد على السطح، ما يُؤدّي إلى تلوثها ويُعقّد عملية إدارة المياه النظيفة. ويترتب عن هذه الممارسة تكاليف من الناحية الجسدية والوقت والمالية، في حين أنّ عدد قليل من الأسر يفتقر إلى خزان مياه، وخاصةً تلك التي تعيش في دور إيواء غير سكنية أو خيام ضمن تجمعات الخيام غير الرسمية.
ب- إدارة المياه المنزلية
يمكن تقسيم إدارة المياه المنزلية إلى عدّة مجالات، أبرزها معالجة المياه، والاستخدام التكيُّفي للمياه، وممارسات النظافة. وبناءً على ذلك، يستخدم المستجيبون/ات استراتيجيات متنوّعة للتعامل مع أزمة ندرة المياه وسوء جودتها.
معالجة المياه:
تستخدم الأسر مجموعة من وسائل معالجة المياه لمواجهة تحدّيات الحصول على مياه شرب آمنة. خلال فصل الشتاء، تغلي بعض الأسر المياه على موقد غاز لاستخدامها في الاستحمام والطهي والشرب، حسب قدرتها على تحمل تكلفة الغاز. أما في الصيف، فتُستخدم وسائل تنقية المياه بالطاقة الشمسية لتقليل تكاليف الغاز. وعادةً ما يُستخدم الملح لتنظيف الخضار، بينما تُنظّف الملابس بمُنعِّمات الأقمشة للتخلص من الروائح الكريهة في المياه. وتقوم منظّمات الإغاثة أيضًا بتوفير أقراص الكلور لتنقية المياه، ويتم تنظيف الزجاجات البلاستيكية وإعادة استخدامها لتخزين المياه.
غير أنّ عدد كبير من المستجيبين/ات عبّروا عن قلقهم بشأن فعالية هذه الوسائل، لا سيّما في ظل الشكوك حول جودة المياه. كما أن هناك نقصًا في المعرفة بالممارسات السليمة لمعالجة المياه، مما يولّد تساؤلات حول مدى كفاية هذه الوسائل لضمان سلامة المياه. عبّرت يسمى، ابنة سعدية ومقدّمة الرعاية لها، وهي لاجئة سورية تبلغ من العمر ٧٢ عامًا وتعاني من مشكلات صحية مزمنة وصعوبة في الحركة، عن شكوكها قائلةً: "أضع المياه في زجاجات بلاستيكية تحت الشمس لمدة ثلاثة أيام، ويتحول لونها إلى أصفر. ما رأيكم؟ هل هي صالحة للشرب؟". هذا يُبرز التحدّيات التي يواجهها عدد كبير من الأسر في محاولة تنقية المياه من دون إرشادات واضحة أو موارد موثوقة.
الاستخدام التكيّفي للمياه:
طوّرت الأسر استراتيجيات متنوعة للاستخدام التكيفي للمياه بهدف مواجهة تحدّيات ندرة المياه وعدم انتظام إمداداتها. وتشمل الأساليب الشائعة جدولة المهام المنزلية خلال فترات توفر مياه الصنبور، حيث يسهر بعض المستجيبين/ات ليلًا أو يستيقظون باكرًا لضخ المياه. وعندما يتعذر الوصول إلى خزان مياه، تُستخدم حاويات مخصصة لتخزين المياه الشخصية. وللحفاظ على المياه، غالبًا ما تحدّ الأسر من كمية المياه المستخدمة في مهام مختلفة، مثل التنظيف بدلو واحد فقط من الماء أو تقليل وتيرة تنظيف المنزل وغسل الملابس.
وفي ظل انقطاع المياه، تملأ بعض الأسر غالونات من ماء الصنبور خلال فترات التزويد وتُخزّنها لاستخدامها لاحقًا. ورغم الخيارات المحدودة، لا تزال بعض الأسر تستخدم غسالات صدئة لعدم توفر بدائل. كما عدّل الأفراد ذوو الإعاقة أساليب التنظيف لتناسب احتياجاتهم الخاصّة. ولفترة استراحة الأطفال، يُستخدم أحيانًا "دلو ماء للاستحمام" كبديل عن حوض السباحة. ولتوفير تكاليف المياه المنقولة بالصهاريج، تنتقل بعض الأسر إلى منازل أخرى خلال الصيف للحصول على مياه الآبار اللازمة لمهام الغسيل الموسمية، مثل غسل الشراشف الشتوية والستائر والسجاد. إضافةً إلى ذلك، تعيش بعض الأسر مع الأبناء البالغين المتزوجين لتقاسم النفقات وإدارة احتياجاتهم من المياه بكفاءة أكبر، ممّا يساعدهم على تجاوز الضغوط المالية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية المستمرة.
ممارسات النظافة:
أصبحت ممارسات النظافة المنزلية مصدرًا للتكيُّف بشكل كبير، إذ غالبًا ما تعتمد على أساليب غير تقليدية وفعّالة للتعامل مع ندرة المياه. تُستخدَم دلاء صغيرة للاستحمام وتنظيف المراحيض، في حين غالبًا ما تُستخدَم مياه الآبار غير النظيفة في أعمال التنظيف والنظافة. وبالنسبة إلى كبار السنّ والمرضى وأفراد الأسرة ذوي الإعاقة، يصبح الاستحمام أكثر صعوبة، ما يستدعي إجراء تعديلات شخصية مثل وضع كراسي خشبية صغيرة في حوض الاستحمام لتسهيل الدخول والخروج. وعلى حدّ قول فرحة: "عندما كنتُ أستحمّ في إحدى المرّات، كِدْتُ أقعُ وأكسر كتفي. لا أستطيع أن أطلب من والدي تغيير حوض الاستحمام إذ سيكلّفه ذلك الكثير من المال". يتمّ الاستحمام بوتيرة أقلّ، لا سيّما عندما تكون المياه شحيحة، كما يتمّ تقليل الأنشطة الاجتماعية بعد الاستحمام لتجنُّب الحاجة إلى غسيلٍ إضافي.
تفتقر ممارسات النظافة هذه إلى الكرامة، وخاصةً للأشخاص ذوي الإعاقة، وتُسبب ضغوطًا جسدية ونفسية هائلة على مُقدمي الرعاية. غالبًا ما يقع عبء النظافة الشخصية على عاتق أفراد الأسرة، كالزوجات أو البنات، ما يتطلب جهدًا وصبرًا والتزامًا بشكل كبير. قد تُسبب هذه الديناميكية الإحباط وتُوتر العلاقات، مما يؤثر على جوانب مُختلفة من الحياة، بما في ذلك الاجتماعية والمهنية والصحّية. كما أن عدم وجود مرافق استحمام ودورات مياه مُجهزة يُفاقم التحدّيات التي يواجهها الأشخاص ذوو الحركة المحدودة، مما يُساهم في وقوع الحوادث وفقدان الاستقلالية.
بالنسبة لكبار السنّ أو المرضى الذين يحتاجون إلى ضخ المياه في وقت متأخر من الليل أو في الصباح الباكر، يكون الإرهاق الجسدي كبيرًا. قد يؤثر تراجع كمية المياه المستخدمة في التنظيف أو الاستحمام بشكل مباشر على النظافة، مما يُؤدّي أحيانًا إلى الشعور بالعار بسبب عدم نظافة الملابس أو المنزل. وذكرت فاطمة: "صحيح أنني ليس لدي مياهًا نظيفة، لكنني أحرص أن تكون ملابس أطفالي نظيفة". تُصبح هذه المسؤوليات اليومية، بالإضافة إلى متطلبات الحياة الأسرية، مُرهِقة وغير مُنصفة، لا سيّما بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود والنساء. وينتشر الشعور بالاستسلام، حيث عبّر الكثير من المُستجيبين/ات عن شعورهم بالعجز وتقبُّلهم لظروفهم الصعبة. ومع مرور الوقت، تُصبح هذه التكيُّفات أمرًا طبيعيًا، ويُنظر إلى استراتيجيات ترشيد المياه كجزء لا يتجزأ من واقعهم. بالنسبة للكثيرين، أصبحت المياه المعبأة هي القاعدة، وتُترك ماء الصنبور كملاذ أخير عندما تصبح المياه المعبأة باهظة الثمن. تُساهم هذه الحاجة المستمرة للتوفير، في ظلّ إدارة دخل الأسرة المحدود، في تشكيل ضغوط مستمرة على النساء والرجال، مما يُبرز الشعور السائد بالاستسلام وخيبة الأمل تجاه الأزمة البيئية والنظام السياسي.
٢- دعم المجتمع والأسرة
تُعدّ أنظمة الدعم في برّ الياس أساسية لمساعدة الأسر على مواجهة التحدّيات المتعلقة بالمياه، وتعتمد هذه الأنظمة بشكل أساسي على الجيران، والأسرة النواة والممتدة، والأصدقاء. وقد أكد المستجيبون/ات على الدور الحاسم للموارد المشتركة، لا سيّما خلال فترات نقص المياه، حيث يعمل الجيران على توفير إمكانية الوصول إلى المياه مجانًا، وتشغيل المضخات، وتقديم المساعدة البدنية في نقل المياه، وتقديم الدعم المالي. يُؤدّي أفراد الأسرة، ولا سيّما المغتربون، دورًا هامًا أيضًا، حيث يعتمد عدد كبير من الأسر على التحويلات المالية أو الدعم المالي من الأقارب. كذلك، تُقدم تبرعات رمضان الخيرية من النوادي والمنظّمات الشبابية المحلّية دعمًا إضافيًا للمحتاجين/ات. بالنسبة إلى الأسر الفلسطينية، تُشكل المساعدات المالية من وكالات الأمم المتحدة شريان حياة أساسيًا، بينما تُبلغ الأسر اللبنانية عن تلقيها مساعدات محدودة من وزارة الصحّة أو المؤسسات الحكومية الأخرى.
غير أنّ أنظمة الدعم تنطوي على تحدّيات. فقد أشار بعض الأفراد، وخاصةً ذوي الإعاقة، إلى اعتمادهم على أفراد أسرهم أو جيرانهم الذكور في المهام الأصعب والحصول على الدعم المالي، مع أن بعضهم عبّر عن تردده في قبول المساعدة الخارجية. وغالبًا ما يُعزى ذلك إلى مخاوف من الاستغلال أو التدخل، ولا سيّما بالنسبة إلى النساء. توضح تجربة نضال كيف أن الاستبعاد من أنظمة الدعم يمكن أن يزيد من احتمالية التعرض للإساءة والإهمال. "أراد جاري مني المزيد - في إشارة إلى الخدمات الجنسية - مقابل المساعدة التي قدّمها في توفير مياه الآبار. رفضتُ وتعلمتُ كيف أحمي نفسي". امتنع الكثير من المستجيبين/ات، وخاصةً الذين يعانون من مشكلات صحية أو إعاقات، عن طلب المساعدة من منظّمات خارجية بسبب انعدام الثقة وخيبات الأمل المتكررة، إذ فضّلوا الحفاظ على كرامتهم واكتفائهم الذاتي رغم الظروف الصعبة.
يقول محمد: "لقد سئمنا من الإذلال بسبب مرضنا. لا نريد أن نُحرج أنفسنا أكثر ونتوسل للمساعدة بعد الآن". تعكس هذه التجربة الشخصية الدور الكبير للمعتقدات الأخلاقية والدينية والقيم الاجتماعية (رأس المال الاجتماعي المعرفي) في نظام الدعم. تُشكّل المعتقدات الدينية والقيم الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من شبكة الدعم في المجتمع، إذ تُمدّ الأفراد بالقوة اللازمة لتقبّل الظروف الصعبة، وتُحفّزهم على دعم الآخرين. وتشمل شبكة الأمان غير الرسمية والقائمة على هذه القيم، خدمات وسلعًا كالأغذية والملابس والمال وإمكانية الحصول على المياه. وعلى الرغم من أهمية هذه الشبكات للبقاء، غير أنها تولّد أيضًا مخاطر تتعلق بالتبعية والاستدامة. وغالبًا ما يفشل الطابع غير الرسمي لهذا الدعم في معالجة الأسباب الجذرية لندرة المياه، وقد يُؤدّي إلى الاستغلال، كما يتضح من حالة ربّات الأسر اللواتي طُلب منهنَّ تقديم خدمات جنسية مقابل الحصول على المساعدة. وعلى الرغم من هذه المخاطر، تُعدّ قيمة أنظمة الدعم غير الرسمية كبيرة، إذ يعتمد الناس عليها بدافع الضرورة، بينما يتكتّمون بشأن معاناتهم نتيجة شعورهم باليأس والعجز.
في نهاية المطاف، إنَّ أنظمة الدعم راسخة بعمق في الحياة اليومية للأُسَر في برّ الياس، وتتداخل مع المهام والمسؤوليات المتعلّقة بالمياه. وكما ذَكَرَ أبو عماد: "يعاني أخي من إعاقات (سمعية، بصرية، وعقلية). حتّى لو كانَ عنيدًا ويهدر المياه، سأساعده دائمًا، من خلال الحرص على توفر المياه التي تمّ ضخّها في خزانه لتأدية مهامه اليومية الأخرى". يُبرِز هذا المثال الدور المهمّ للدعم الاجتماعي في مواجهة تحدّيات المياه، والذي غالبًا ما يتمّ تجاهله، والقيمة الاقتصادية والنفسية العميقة التي تحملها هذه الشبكات.
٣- القوّة الشخصية والمرونة
على الرغم من مواجهة مجموعة من أوجه الضعف، كالعمر، والظروف المادية، والتحدّيات الاقتصادية، وغيرها من الصعوبات، غير أن غالبية من أجريت معهم المقابلات أظهروا استقلالية ومرونة ملحوظتين في التعامل مع المشكلات المتعلقة بالمياه. وتُجسّد امرأتان من ذوات الإعاقة، تستخدمان الكرسي المتحرك، هذه المثابرة وهما تجتازان الحواجز المادية للحصول على المياه المعبأة، حيث وجدت إحداهما طرقًا مبتكرة للوصول إلى شقتها. تعاني وداد من مرض مزمن ولكنها تواصل تأدية مسؤولياتها اليومية، على الرغم من أن القيود الجسدية الناجمة عن العلاج تمنعها من ملء خزان المياه أو حمل غالونات المياه الثقيلة. وقالت: "لم أعد أستطيع صعود الدرج لملء الخزان، ولا أستطيع حمل غالونات المياه بسبب الجراحة والعلاج اللذين خضعت لهما". أما أبو عماد، فعلى الرغم من كبر سنّه وإصابته بمرض القلب، لا يكتفي بتلبية احتياجاته من الماء فحسب، بل يتكفل أيضًا باحتياجات أخيه الذي يعاني من إعاقة بالغة، ويتعامل أيضًا مع النزاعات مع الجيران حول توزيع المياه.
نور، لاجئ سوري يتيم يبلغ من العمر ثماني سنوات، يُبدي مرونة استثنائية من خلال قضاء ثلاث ساعات على الأقل يوميًا في جلب الماء من شاحنة صدئة. وعلى الرغم من التحدّيات الجسدية التي يعاني منها، كألم في الذراعين والضغط النفسي الذي يُسببه وضعه، لا يزال مُلتزمًا بدراسته، مُحققًا درجة ٧٠/١٠٠، ويحلم بمستقبل أفضل. تُبرز قصته العبء النفسي والجسدي لجمع الماء، وكذلك إصراره الراسخ على تحسين ظروفه.
لم تُركِّز الدراسة تحديدًا على الفقر المدقع، لكنَّ حالة نضال تُسلِّط الضوء على فئة مهمّشة من المواطنين/ات اللبنانيين/ات المُستبعدين/ات من شبكات الأمان الاجتماعي الوطنية وخدمات مساعدة اللاجئين/ات. نضال، وهي امرأة عزباء من ذوي الإعاقة، تجد نفسها في وضع هشّ للغاية، إذ تُكافح من أجل الحصول على حقوقها الأساسية، بما في ذلك المياه. وعلى الرغم من التحدّيات، لا تزال نضال مُصمِّمة، حيث تُشارِك في تدريبٍ مُكثَّف على الطبخ وتسعى جاهدةً من أجل تأمين وظيفة، على أمل أن تتمكّن من التغلُّب على ظروفها.
علاوةً على ذلك، يواجه الأفراد المصابون بأمراض مزمنة أو إعاقات أو كبار السنّ عوائق جسدية كبيرة، فلا يستطيعون حمل المياه أو تشغيل المضخات أو الوصول إلى مناطق تخزين المياه بسبب حركتهم المحدودة. لا تُظهر هذه القصص القوة والعزيمة الشخصية فحسب، بل تكشف أيضًا عن الصراعات وأوجه الظلم وانتهاكات حقوق الإنسان الأساسية الكامنة التي تؤثر على الأشخاص الذين يواجهون مثل هذه التحدّيات. إن إصرار هؤلاء الأفراد على إدارة احتياجاتهم من المياه يُبرز مرونتهم الاستثنائية والحاجة المُلِحّة إلى تغيير هيكلي لمعالجة أوجه عدم المساواة التي يواجهونها.
رابعًا- اللاعدالة المائية: منظور جنساني ومتقاطع لعدم المساواة
البعد التقاطعيّ للاعدالة المائية
أوضحت الأبحاث الإثنوغرافية الدور المهمّ للمياه في تشكيل الهويات، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، والحفاظ على التراث الثقافي. على سبيل المثال، أظهرت الدراسات أنَّ العادات المرتبطة بالمياه في المجتمعات الفيجية، سواءً داخل فيجي أو بين الجاليات المنتشرة في أماكن مثل نيويورك، تُعزِّز الهوية الثقافية وتُقوّي الروابط المجتمعية.[43] في العديد من الثقافات، لا تُعتبَر المياه مجرّد مورد مادّي، بل هي جزءٌ لا يتجزّأ من الشخصية، ممّا يعكس أهميتها الاجتماعية والروحية العميقة.
على سبيل المثال، تُعتبر المسطحات المائية في ثقافة الماوري أسلافًا وكائنات حية.[44] تُبرز دراسة أجرتها سيكينك العلاقة الوثيقة بين البشر والمياه، وتحديدًا من خلال طقس "ياكو كامبيو" في مجتمع سان بيدرو دي كوندو البوليفي. يتجاوز هذا الطقس التبادل المادي للمياه، إذ يُمثّل رمزًا للتماسك المجتمعي والنظام الاجتماعي. ويشمل جمع المياه من مصادر مختلفة - البحيرات والينابيع والأنهار - ثم خلطها وإعادة توزيعها بين أفراد المجتمع، مُجسّدًا بذلك ترابط أفراد المجتمع ومسؤوليتهم الجماعية في إدارة الموارد المشتركة.[45]
يكشف الفحص الدقيق للتحدّيات المتعلقة بالمياه ضمن فئات سكانية محددة أن النساء يتحملنَ وزر الصعوبات المتعلقة بالمياه بشكل متفاوت نظرًا لأدوارهنَّ التقليدية في إدارة المياه المنزلية وجمعها. في المناطق التي تعاني من ندرة المياه، غالبًا ما تقضي النساء وقتًا طويلًا في جمع المياه، مما قد يعيق حصولهنّ على التعليم وفرص العمل.[46] إضافةً إلى ذلك، يطرح تلوث المياه مخاطر صحية جسيمة على النساء، لا سيّما في ما يتعلق بصحة الدورة الشهرية والحمل والولادة.
وغالبًا ما تُقيّد الأدوار الجندرية التقليدية وصول المرأة إلى الموارد ومشاركتها في عمليات صنع القرار داخل الأسرة والمجتمع. [47] ويمكن أن يُؤدّي نقص المياه النظيفة وسوء جودتها إلى مضاعفات صحية كالالتهابات والتشوهات الخلقية ووفيات الأمّهات،[48] بالإضافة إلى الأعباء الجسدية والنفسية الناتجة عن تأمين مياه آمنة للشرب.
في الأردن مثلًا، تبيّن أن اللاجئات السوريات يعانينَ من معدلات أعلى من التهابات المسالك البولية وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه بسبب الوصول المحدود إلى المياه النظيفة.[49] كذلك في بوليفيا، تواجه النساء اللواتي يعانينَ من الوصول غير المستقر إلى أسواق المياه والشبكات المشتركة من ضغوط نفسية متزايدة مرتبطة بانعدام الأمن المائي، مما يوضح كيف أن التفاوتات السياسية والاقتصادية تُفاقم معاناتهنَّ.[50]
إنّ الأطفال، ولا سيّما أولئك دون سن الخامسة، معرضون بشدة للإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه وسوء التغذية، وتُساهم ندرة المياه وتلوثها في تفاقهما. تؤكد الأبحاث المتعلقة بنمو الطفولة أن التعرض المبكر لظروف بيئية سيئة، بما في ذلك المياه الملوثة، قد يكون له آثار دائمة على الصحّة والنمو المعرفي. كما يمكن للتحدّيات المتعلقة بالمياه أن تعيق تعلّم الأطفال، حيث أن المسؤوليات مثل جمع المياه أو الإصابة بالأمراض - كالإسهال - قد تحد من التحاقهم بالمدرسة.[51]
كما يواجه كبار السنّ خطرًا متزايدًا من المضاعفات الصحّية الناجمة عن تلوث المياه، نظرًا إلى ضعف جهاز المناعة لديهم وزيادة قابليتهم للإصابة بالأمراض. وتؤكد النظريات المتعلقة بالشيخوخة والأدوار الاجتماعية كيف يمكن للضغوط البيئية، بما في ذلك مشكلات جودة المياه، أن تُعطل الأدوار الاجتماعية والجسدية لكبار السنّ، مما يُضعف جودة حياتهم واندماجهم الاجتماعي.[52]
يُواجِه الأشخاص ذوو الإعاقة حواجز إضافية في الحصول على المياه النظيفة بسبب الصعوبات الحركية وغياب البنية التحتية المُصمَّمة لتلبية احتياجاتهم/نّ. ووفقًا للنموذج الاجتماعي للإعاقة، لا تنشأ الإعاقة من إعاقات فردية، بل من عوائق مجتمعية ونقصٍ في الخدمات. وغالبًا ما تمنع هذه العوائق الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة الكاملة في أنشطة جمع المياه والإصحاح وإدارة المياه.[53]
يتّضح البُعد التقاطعيّ للتحدّيات المتعلّقة بالمياه عند دراسة كيفية تفاعُل مختلف الفئات الاجتماعية - كالنوع الاجتماعي والعمر والإعاقة والوضع الاجتماعي والاقتصادي - لتُساهِم في تفاقم أوجه عدم المساواة في الحصول على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحّي. فعلى سبيل المثال، تتحمّل النساء عبء ندرة المياه بشكل متفاوت بسبب أدوارهنَّ التقليدية في جمع المياه للمنزل. وفي عدد كبير من المجتمعات، لا تستهلك هذه الأدوار الوقت فحسب، بل تحدّ أيضًا من فُرَص المرأة في التعليم والتوظيف والانتقال من مستوى اجتماعي واقتصادي إلى آخر بشكل عام.
يزداد تقاطع النوع الاجتماعي مع ندرة المياه تعقيدًا في السياقات التي تعاني فيها النساء أيضًا من سوء جودة المياه، مما قد يُولّد تأثيرات وخيمة على الصحّة، بما في ذلك ارتفاع معدلات العدوى، ومضاعفات خلال فترة الحمل والولادة، ووفيات الأمهات. علاوةً على ذلك، غالبًا ما تتفاقم هذه المخاطر الصحّية بسبب التوقعات المبنية على النوع الاجتماعي في ما يتعلق بتقديم الرعاية، حيث يُتوقع من النساء رعاية أفراد الأسرة المرضى، مما يُساهم في إنهاكهنَّ جسديًا ونفسيًا. كذلك، يتفاقم عبء التحدّيات المتعلقة بالمياه على النساء ذوات الإعاقة، إذ غالبًا ما يواجهن عوائق إضافية في الحصول على المياه النظيفة، مثل عدم كفاية البنية التحتية وصعوبة التنقل. في هذه الحالات، يُصعّب التقاطع بين النوع الاجتماعي والإعاقة الحصول على مياه آمنة، مما يُبرز كيف تؤثر العوائق المجتمعية والموارد المحدودة بشكل متفاوت على هؤلاء الأفراد.
لذلك، ينبغي لأي نهج قائم على حقوق الإنسان في مجال المياه وخدمات الصرف الصحّي أن يُركز على حقوق مستهلكي المياه ومؤسسات المياه ومسؤولياتهم. يحق لمستخدمي المياه الحصول على خدمات مياه وصرف صحي آمنة وبأسعار معقولة، والوصول إلى مصادر المياه، والحماية من الانقطاع، ومعلومات عن الأدوار والمسؤوليات، والوصول في حالات الطوارئ، والمساعدة في الخدمات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يتحمل المستهلكون مسؤولية تجنب تلوث المياه أو هدرها، والتعاون مع مصالح المياه، ومحاسبة مؤسسات المياه، ودفع رسوم عادلة، والالتزام بقيود استخدام المياه خلال فترات الشح، ضمان ممارسات الإصحاح السليمة. ولمؤسسات المياه الحق في تنظيم الوصول إلى المياه، وضمان الالتزام بالمعايير، واختيار المشغّلين والإشراف عليهم، ومنع توزيع المياه غير المطابقة للمعايير، وتحصيل المدفوعات، وقطع الإمدادات في حال عدم الامتثال، وملاحقة المخالفات، وإدارة الدعم، وتحديد الأسعار بناءً على قدرة المستهلكين/ات على الدفع. وتشمل واجباتهم إعطاء الأولوية للاستخدام الشخصي والمنزلي للمياه، وحماية جودة المياه، وإنشاء إطار قانوني لتشجيع الاستثمار، واعتماد خطط العمل، وتأمين التمويل، وصيانة البنية التحتية، وتحديد الفئات السكّانية المحرومة ومساعدتها، وتعزيز مشاركة المستهلكين/ات، والإشراف على جودة المياه وخدمات والصرف الصحّي.
البعد السياسي للتمييز في المياه
لقد تَبيَّنَ من عملِنا الميداني أنَّ المعنيّين والأُسَر يعتبرون أنَّ البلدية هي السلطة الرئيسية المسؤولة عن المياه، يليها المخاتير، ثمّ المُحافِظ، وأخيرًا مؤسّسة مياه البقاع. وهذا يُسلِّط الضوء على الدور البارز الذي تضطلع به البلديات والسلطات المحلّية في تلبية الاحتياجات الأساسية في برّ الياس وفي مختلف المناطق اللبنانية. وفي حين أنَّ مسؤولية خدمات المياه والصرف الصحّي تقع قانونيًا على عاتق مؤسّسات المياه الإقليمية، غير أنَّ البلديات غالبًا ما تتدخّل لسدّ الثغرات التي تُخلّفها هذه المؤسّسات المتعثّرة. في الوقت الحالي، أدّى حلّ مجلس بلدية برّ الياس إلى فجوة كبيرة في إدارة المياه اليومية. يقتصر دور مؤسّسة مياه برّ الياس على إصدار الفواتير، بدلًا من إدارة إمدادات المياه، ممّا يُظهِر تقصيرًا في مسؤولية صيانة شبكة المياه. ويعكس عدم دفع رسوم المياه العذبة قلّة التزام الأُسَر ومبادرتها تجاه مؤسّسات المياه، وهو أمرٌ منطقيّ نوعًا ما نظرًا لعدم انتظام خدمات المياه. يُساهِم ذلك في وجود كمّية كبيرة من المياه غير المُدِرَّة للدخل، ما يُضعِف فعّالية مؤسّسات المياه وقدرتها على إدارة موارد المياه وصيانتها. وفي حين أنَّ الحصول على المياه حقٌّ أساسيّ، غير أنَّ دفع ثمن الخدمات هي مسؤوليةٌ تقع على عاتق المستهلكين/ات أيضًا. وتُعَدّ هذه المساءلة المتبادلة حاسمةً للإدارة المستدامة للمياه.
يُشدد النهج القائم على حقوق الإنسان في إدارة المياه على حق المستهلكين/ات في الاطلاع على عملية إدارة المياه والمشاركة فيها. غير أنّ عدد كبير من المستجيبين/ات يشعر بالإهمال، حيث يقول جورج: "لا أحد يكرث؛ وحتى لو اشتكينا، لن يتغير أي شيء". ويتهم البعض البلدية بممارسة المحسوبية والفساد، مما يُؤدّي إلى عدم المساواة في الحصول على المياه. وتضيف وداد: "إذا كنت تعرف شخصًا في البلدية، تحصل على المياه بشكل أفضل وتفعل كل ما تريد". يُؤدّي غياب الشفافية بشأن جودة المياه وخدماتها إلى فوضى وممارسات ضارة. على سبيل المثال، تؤدي المخاوف غير المبررة بشأن نظافة مياه الصنبور إلى شراء مياه معبأة من دون ضرورة. إضافةً إلى ذلك، قد تطرح المراقبة غير الكافية لطرق معالجة المياه المستخدمة في محلات تنقية المياه المحلّية مخاطر صحية، كما ذكر العديد من أصحاب المصلحة. كذلك، قد يستخدم الناس عن غير قصد وسائل لا تُنقّي المياه بفعالية، مما يولّد المزيد من المخاوف الصحّية. تُشير يسمى إلى ذلك قائلةً: "أضع الماء في غالونات بلاستيكية تحت أشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام [...]. أفعل ذلك لتوفير تكاليف الغاز، لا سيّما في فصل الصيف". تعتمد فعالية هذه الممارسات على موارد مثل الغاز لغلي الماء وأقراص الكلور للتطهير. فبدون هذه الموارد، تفشل حتى طرق تنقية المياه الأساسية، مما يُعرّض الأفراد لخطر استهلاك مياه غير آمنة.
لا يعلم معظم المستجيبين/ات بالمشكلات المتعلقة بالمياه، ويعتمدون على شبكات غير رسمية وعلى الجيران للحصول على المعلومات. ويذكر عدد قليل فقط منهم تلقي أي اتصال رسمي، مثل رسالة نصية قصيرة لمرة واحدة من البلدية حول جودة المياه. يُعتبر الرجال والمخاتير والجيران المصادر الرئيسية للمعلومات المتعلقة بالمياه. وذكر اثنان فقط من أصحاب المصلحة عقد اجتماعات دورية في برّ الياس لمناقشة هواجس أفراد المجتمع بشأن جودة المياه. وعلى الرغم من هذه الجهود، لا تزال تحدّيات الحوكمة ومشكلات تخصيص الموارد قائمة.
تبيّن أنّ وداد وحدها على دراية بمؤسّسة مياه البقاع ومشاريع المياه المحلّية، مما يعكس نقصًا واسعًا في المعلومات الموثوقة وضعفًا في مشاركة المجتمع المحلي في المناقشات المتعلقة بالمياه. وعبّرت فاطمة عن أسفها لفقدانها إمكانية الوصول إلى معلومات حول جودة المياه بعد انتقالها من مخيم غير رسمي إلى دور إيواء غير سكنية. وذكر أحد أصحاب المصلحة لجان المياه وفرق التعبئة المجتمعية التي أنشأتها إحدى المنظّمات غير الحكومية الدولية في المخيمات غير الرسمية.
أشار أحد أصحاب المصلحة إلى دور رجال الدين في رفع مستوى الوعي حول المياه من خلال خطب يوم الجمعة. كما تم تسليط الضوء على عمل مصلحة الابحاث العلمية الزراعية (LARI) في تل عمارة في اختبار جودة مياه الصنبور وتقديم المشورة بشأن تلوث الأغذية وهواجس تتعلق بالصحّة العامّة. وعلى الرغم من هذه المبادرات، لا يزال المجتمع المدني والأسر في برّ الياس غير مطلعين إلى حد كبير على القضايا المرتبطة بالمياه، ونادرًا ما يشاركون في مناقشات منظمة حول المياه، إلا خلال أزمات المياه الكبرى. ولم تُفضِ الشكاوى المحدودة وتشكيل لجنة بيئية محلية (لم يذكرها سوى أحد أصحاب المصلحة) إلى تغييرات جوهرية، مما زاد من الإحباط والشعور باليأس بين أفراد المجتمع.
وأكّد عدد كبير من الأسر أن المياه التي يبيعها أصحاب الصهاريج مصدرها الشبكة العامّة أو ينابيع مثل شمسين، ما يثير تساؤلات مهمة حول مدى مساءلة مؤسسات المياه. فالدور الذي تؤدّيه هذه الأخيرة في تجاهل الانتهاكات أو عدم تنظيم هذه الممارسات يساهم في استمرار سوق المياه غير الرسمي هذا، الذي أصبح نظامًا طبيعيًا ومقبولًا. وهذا يجعل السكان يعتمدون على البائعين الخاصين غير المنظّمين. وعلى غرار مناطق أخرى، تُظهر برّ الياس كيف تعتمد المجتمعات على استخراج المياه بشكل غير قانوني والباعة غير الرسميين لتلبية احتياجاتها. تتطلب هذه القضايا مزيدًا من التحقيق والتنظيم خارج نطاق هذه الدراسة، ولكنّها تؤثر بشكل مباشر على حياة الأسر وحقها في مياه آمنة ونظيفة وبأسعار معقولة.
الفقر المائي القائم على النوع الاجتماعي
أكَّدت المقابلات أنَّ النساء يُؤدّينَ دورًا تقليديًا في إدارة المياه المنزلية، بما في ذلك مهام تأمين المياه وتنقيتها وتخزينها والطبخ والتنظيف والحفاظ على نظافة أفراد الأسرة ذوي الحركة المحدودة، مثل الأزواج والأطفال. تتحمّل النساء، ومن بينهنّ الأمّهات والأخوات والكنّات، بشكلٍ أساسي مسؤولية إدارة المياه، وهو دور يتطلّب قدرةً بدنية وعقلية وعاطفية كبيرة. ويُبرِّر عدد كبير منهنَّ ذلك بأنَّ الرجال يكونون عادةً في عملهم طوال اليوم.
عادةً ما يتولى الرجال المهام الجسدية الشاقة المرتبطة بالمياه، مثل ضخ المياه وإدارة إمداداتها، بالإضافة إلى المسؤوليات المادية، مثل شراء المياه المعبأة، ودفع تكاليف خدمات صهاريج المياه، وسداد فاتورة المياه السنوية، كما يتواصلون مع مؤسسات المياه. وفي جميع المقابلات التي أجريت، تبيّن أنّ الأطفال الذكور غالبًا ما يشاركون في عملية جلب المياه. ويقضي كلٌّ من النساء والفتيان عادةً ما بين ساعة وثلاث ساعات في جمع المياه، بصرف النظر عن الظروف الموسمية، كالحرّ في الصيف أو الأمطار في الشتاء. وكثيرًا ما يُسند الآباء هذه المسؤولية إلى الفتيان، حتى لو كانوا متوجّهين إلى المدرسة. ويختلف الجهد البدني والوقت اللازم، إذ غالبًا ما يلجأ الفتيان اللاجئون إلى مصادر غير موثوقة للحصول على المياه، بينما يشتري الأولاد اللبنانيون/ات والفلسطينيون/ات المياه عادةً من محلات تنقية المياه.
ويُسلَّم باحتياجات النساء المتزايدة من المياه، لا سيّما لأغراض النظافة نتيجةً للجهد البدني والحاجة للاستحمام المتكرر. وهناك رأيٌ مُعارضٌ بأنّ الفتيات والفتيان يحتاجون إلى كمياتٍ مُتساوية من الماء، إذ يستحمون بوتيرةٍ مُتقاربة. وعند سؤالهم عن واجبات جلب الماء، أفاد الفتيان حصرًا بأنهم مسؤولون عنها، بينما ذكر فتى سوري أنها من واجبه، مع أن أخته تُساعده، مُشيرًا إلى أن مهام جلب الماء تُكلَّف عادةً للفتيان داخل الأسر.
غالبًا ما يتلقى كلٌّ من المستجيبين/ات، الذين يعيشون بمفردهم أو يعانون من محدودية الحركة، مساعدة من الجيران وأفراد الأسرة لتلبية احتياجاتهم من المياه. وذكرت النساء حالاتٍ تجادل فيها الرجال (الأزواج، الآباء، الإخوة) أو تسببوا في نزاعاتٍ حول قضايا المياه، بينما فضّلت النساء بشكل عام حلّ هذه المسائل من دون إثارة التوترات أو النزاعات.
ويُتوقع من النساء ذوات الإعاقة، أو الأمراض المزمنة، أو الحوامل، مواصلة إدارة المياه المنزلية وغيرها من المهام، وذلك حتى من دون مساعدة. قالت وداد: "لا أحد يشعر معك. عندما أُصبتُ بالسرطان وكنت منهكة بسبب العلاج الكيميائي، توجّب عليّ القيام بجميع الأعمال المنزلية وإدارة المياه بنفسي من دون أي مساعدة من عائلتي (أبي وأخي)". عندما يمرض الأزواج، تتحمل النساء مسؤولية إضافية في إدارة جميع الأعمال المنزلية، بما في ذلك المهام المتعلقة بالمياه ورعاية الأطفال. علّقت ابتسام، زوجة محمد، قائلةً: "أقوم بدور الرجل والمرأة في آنٍ معًا؛ فالمياه تُشكّل ضغطًا إضافيًا إلى جانب مسؤولياتي الحالية".
كذلك، تؤدي النساء دورًا هامًا في جهود الحفاظ على المياه. فعدد كبير من النساء يستهلكنَ المياه بوعي، حيث يُغلقن الصنابير لضمان وصولها بالتساوي إلى أفراد المجتمع. أوضحت وداد أن إدراكها بانقطاع المياه سابقًا قد علّمها أن تكون أكثر وعيًا باستهلاكها، وهو درس تعلمته من جدتها التي شجعت على التشارك المدروس للمياه. غير أنه هناك تفاوتات، حيث ذكر بعض المستجيبين/ات أنّ هناك نساء يُهدرن المياه، مما يُفاقم مشكلة ندرة المياه، لا سيّما خلال فترات الشح، ما يؤثر سلبًا على المجتمع بأسره.
يُساهِم هذا التقسيم للعمل القائم على النوع الاجتماعي، والمتجذّر في الأعراف الثقافية والأنظمة الذكورية، في إلقاء عبء ثقيل على النساء، ممّا يُؤثِّر على صحّتهنَّ ورفاههنَّ وفُرَصهنَّ الاقتصادية. وعلى الرغم من أنَّ النساء اللواتي تمت مقابلتهنَّ لا يعملْنَ، لم تجد الدراسة دليلًا على تأثير استراتيجيات التكيُّف المُجهِدة والمستنفدة للوقت على الظروف الاقتصادية للأسرة. وفي الوقت نفسه، عبّرت جميع النساء ذوات الإعاقة عن رغبتهنَّ في العمل، لكنهنَّ واجهنَ عقبات بسبب تصوُّرات أصحاب العمل لضعف قدراتهنَّ، ممّا يؤدّي إلى تمييزٍ اقتصادي.
تعتبر التكاليف غير المالية لمهام إدارة المياه هذه، بما في ذلك الوقت والجهد البدني والتوتر المصاحب لها، كبيرة وغالبًا ما يتم التغاضي عنها. يُعد "العمل غير المرئي" للمرأة في إدارة المياه المنزلية أمرًا حاسمًا لبقاء الأسرة، ومع ذلك يظل مهمّشًا وغير مدعوم من الهياكل المجتمعية.[54]
الخاتمة والتوصيات
في الختام، تُسلِّط نتائج هذه الدراسة الضوء على الطبيعة المُعقّدة والمتشعّبة لمشكلات المياه، والتي تتقاطع مع مجموعة من العوامل الحاسمة الأخرى، مثل الصحّة والبيئة والديناميات الاجتماعية والظروف الاقتصادية والتأثيرات السياسية، وغيرها. ولا شكَّ في أنَّه لا يُمكن فهم التحدّيات المتعلّقة بالمياه بشكل كامل أو معالجتها بمعزلٍ عن غيرها، إذ تُواجِه الأُسَر والأفراد الذين يُعانون من ندرة المياه أيضًا العديد من المشكلات المزمنة والمنهجية الأخرى التي تُؤثِّر على حياتهم/نّ اليومية.
غالبًا ما يواجه الناس صعوبة في التعبير عن الآثار المحددة لندرة المياه، لأنهم اعتادوا على هذه المشقات؛ فقد أصبحت آليات التكيف التي يعتمدونها جزءًا طبيعيًا من حياتهم. يتطلب هذا التطبيع مع الشدائد تفسيرًا أعمق لا يقتصر على الوصف السطحي، مما يُتيح فهمًا أفضل للتحدّيات الأساسية التي تواجهها الأسر في إدارة إمدادات المياه.
تُؤكد الدراسة أن التحدّيات واستراتيجيات التكيف المتعلقة بالمياه مترابطة بشكل وثيق. إذ يتعين على الأسر تجاوز العديد من العوائق، بدءًا من الوصول إلى المياه وتخزينها وصولًا إلى التعامل مع الصعوبات الإضافية التي تواجهها في آليات التكيف. وتتفاقم هذه المعاناة المرتبطة بالمياه جراء التحدّيات الفردية والجماعية، مثل المشكلات الصحّية الجسدية، والضغوط الاقتصادية، والديناميات الاجتماعية.
تتطلب معالجة تجارب الأسر التي تعاني من مشكلات المياه نهجًا شاملًا ومتعدد الأبعاد، يتضمن تدخلات على المستويات الجزئية والمتوسطة والكبيرة. ويجب أن تشمل الحلول دورة إدارة المياه بأكملها، بدءًا من المعالجة والتخزين وصولًا إلى التوزيع، بالإضافة إلى إنفاذ القوانين التي ترعى استخدام المياه وتحمي البيئة من التدهور.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تُراعي أي جهود لتحسين إدارة المياه في لبنان احتياجات جميع السكان الذين يعتمدون على موارد مائية مشتركة. فمن المستحيل معالجة مشكلات المياه لشريحة سكانية واحدة بفعالية من دون فهم السياق الأوسع الذي تُستخدم فيه هذه الموارد. وبالمثل، فإن الجهود المعزولة لمعالجة مياه الصرف الصحّي في قرية واحدة أو تنظيم قطاع واحد ستفشل إذا استمرت المناطق المجاورة في المساهمة في التلوث من دون ضوابط.
في نهاية المطاف، لا بد من اتباع نهج منسق وشامل ومتكامل، يشمل جميع الوزارات وأصحاب المصلحة. ولا تتطلب معالجة مشكلات المياه في لبنان إجراء تحسينات في جودة المياه وكميتها وتوزيعها فحسب، بل أيضًا أنظمةً فعّالة للفوترة، ونشر المعلومات، والمشاركة العامّة، والحماية البيئية، وتطبيق القانون. ولا يمكن إيجاد حلول مستدامة لمعالجة تحدّيات المياه المعقدة التي تواجهها الأسر والمجتمعات سوى من خلال هذه الجهود الشاملة والمنهجية والقائمة على التعاون.
لذلك، على المستوى الوطني، لتحسين إدارة المياه وضمان تكافؤ فرص الوصول إليها، يجب تطبيق قانون المياه رقم ١٩٢/٢٠٢٠ من خلال وضع لوائح تُقرّ بأن المياه مورد وطني ومصلحة عامة. ينبغي تنظيم موردي المياه من القطاع الخاص لمنع الاحتكار، وضمان جودة المياه، وحماية المواطنين/ات من التكاليف الباهظة. يجب تفعيل الهيئة الوطنية للمياه لتحسين إدارة موارد المياه في البلد، مع إشراك أصحاب المصلحة الرئيسيين، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ومنظّمات المجتمع المدني المعنية بالمرأة وذوي الإعاقة، وذلك لضمان عملية شاملة لصنع القرارات. ينبغي مراجعة الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه من منظور حقوقي لضمان العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية لخدمات المياه. ويُعدّ هذا الأمر أساسيًا لمعالجة التفاوتات الجغرافية، وتعزيز العدالة في توزيع المياه، وضمان توفير الاحتياجات الأساسية من المياه بأسعار معقولة للأسر ذات الدخل المحدود والضعيفة من خلال نظام تسعير متدرج.
ينبغي على المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تقديم تقارير شفافة حول التقدم المحرز في جهود إزالة التلوث والتحدّيات التي تواجهها، وتوفير معلومات مُحدثة عن مصادر التلوث. كما يجب اتخاذ إجراءات قانونية ضد الجرائم المتعلقة بالمياه والبيئة.
ويُعتبر الاستثمار في مصادر المياه البديلة والسياسات المراعية للنوع الاجتماعي أساسيًا، بالإضافة إلى دمج مبادرات الرعاية الصحّية لمعالجة الأمراض المنقولة بالمياه وضمان حصول الفئات السكّانية الضعيفة على المياه النظيفة. وينبغي وضع برامج خاصة لدعم كبار السنّ والأشخاص ذوي الإعاقة والأطفال، بما في ذلك توفير الوصول إلى المياه والتعليم والموارد الاجتماعية والاقتصادية.
وبالإضافة إلى تنفيذ القانون ٢٢٠/٢٠٠٠ والاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية بغية حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الضعيفة، ينبغي التركيز على تعزيز الإدماج والفرص الاقتصادية لدعم الاستقلالية بشكل أكبر.
على المستوى الإقليمي، ينبغي على مؤسسات المياه الإقليمية إعطاء الأولوية للتوزيع العادل للمياه ومراقبة جودتها في جميع الأحياء، ما يُساهم في تطوير البنية التحتية لتلبية الاحتياجات المحلّية. وينبغي تنظيم شبكات توزيع المياه المحلّية لحماية الفئات الضعيفة، وحماية مصادر المياه من التلوث من خلال تنفيذ القوانين بصرامة. وينبغي إعطاء الأولوية للجهود الرامية إلى منع نشوب النزاعات أو الأزمات الصحّية الناجمة عن ندرة المياه أو نقص الوصول إليها، مع إجراء دراسة شاملة للأثر البيئي لاستخراج المياه، والديناميات الاجتماعية، وظروف السكن غير السكنية.
يجب أن يكون التواصل الواضح والمنتظم والموثوق بشأن مشكلات المياه، بما في ذلك أدوار الإدارة وجودة المياه وكميتها، متاحًا للجميع، بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقة. وينبغي تطبيق نهج شامل من القاعدة إلى القمّة لتفعيل مبدأ المشاركة المجتمعية. وينبغي لعملية بناء القدرات والتدريب على حملات مناصرة فعّالة بشأن تلوّث المياه وتحدّياته أن تُمكِّن المجتمعات من تأكيد حقوقها الأساسية.
وأخيرا، تركز التوصيات المحددة الإضافية على الإجراءات الفورية وكذلك الاستراتيجيات على المدى البعيد الرامية إلى تحسين فرص الحصول على المياه وجودتها والحوكمة.
توصيات للمنظّمات غير الحكومية ومنظّمات المجتمع المدني
تعزيز الوعي المجتمعي والمناصرة: يمكن للمنظّمات غير الحكومية إطلاق حملات تثقيفية مجتمعية لرفع مستوى الوعي بجودة المياه، وطرق معالجتها، وأهمية الاستخدام المستدام للمياه، وتقنيات تنقية المياه الفعالة.تسهيل عمل لجان المياه المجتمعية: يمكن للمنظّمات غير الحكومية المساعدة في تشكيل أو تعزيز لجان المياه المحلّية التي تُمكّن المجتمعات من معالجة القضايا المتعلقة بالمياه. يمكن أن تُشكّل هذه اللجان منصةً لتنسيق توزيع المياه، ومعالجة الشكاوى، والمطالبة بحق المجتمعات في الحصول على خدمات المياه.تعزيز إدارة المياه المحلّية المراعية للنوع الاجتماعي: ينبغي دمج نهج يراعي النوع الاجتماعي في برامج إدارة المياه، بما يضمن الاعتراف بالأدوار التقليدية للمرأة في جمع المياه وتنقيتها وتوزيعها، وكذلك دعمها، وتوزيعها بشكل أكثر مساواةً داخل الاقتصاد المحلي. رصد جودة المياه: التعاون مع السلطات المحلّية من أجل إنشاء أنظمة لرصد جودة المياه المجتمعية، ما يُتيح للسكان الإبلاغ عن المشكلات المتعلقة بالتلوث أو عدم انتظام إمدادات المياه وتتبعها.الضغط من أجل إنفاذ قوانين المياه: الدعوة إلى إنفاذ القوانين واللوائح الحالية المتعلقة بالمياه، ولا سيّما في ما يتعلق باستخراج المياه غير القانوني وبيع المياه المنقولة بالصهاريج غير المنظم. يمكن للمنظّمات غير الحكومية أن تؤدي دورًا رئيسيًا في الدفع نحو إشراك السكان المحليين في عمليات صنع القرار المتعلقة بحوكمة المياه.
التوصيات للحكومة والمؤسسات العامّة
إعادة تفعيل الوظائف البلدية: نظرًا إلى حلّ مجلس بلدية برّ الياس، ينبغي بذل الجهود اللازمة لإعادة تأسيس الخدمات البلدية بسرعة بعد الانتخابات البلدية الجديدة، ولا سيّما إدارة المياه، من أجل ضمان وجود تمثيل محلّي يُلبِّي احتياجات المجتمع، ويُحاسِب على توفير المياه.تعزيز المساءلة لمؤسسات المياه الإقليمية: ينبغي مساءلة مؤسسات المياه الإقليمية على دورها في إدارة المياه والصرف الصحّي. ويشمل ذلك تحسين سرعة استجابتها، وضمان عدالة خدمات المياه، ومعالجة أي مشكلات في البنية التحتية قد تؤدي إلى انقطاع المياه. وينبغي لمصلحة مياه البقاع توسيع نطاق مسؤولياتها لتتجاوز تحصيل الفواتير وتشمل الإدارة الاستباقية للمياه، مثل التواصل والتفاعل المنتظم مع المجتمعات المحلّية، وصيانة البنية التحتية القائمة، وضمان كفاءة التوزيع. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحسين القدرة الداخلية لمصلحة مياه البقاع، بالإضافة إلى إنفاذ القوانين المتعلقة باستخراج المياه وتوزيعها.تنظيم نقل المياه بالصهاريج: ينبغي للحكومة أن تفرض لوائح أكثر صرامة على بائعي المياه من القطاع الخاص لمنع استخراج المياه من المصادر العامّة من دون الحصول على التصاريح المناسبة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي عليها ضمان مراقبة جودة المياه التي يبيعها هؤلاء البائعون لمنع التلوث ومياه الشرب غير الآمنة.زيادة الشفافية في حوكمة المياه: ينبغي للسلطات المحلّية وموردي المياه ضمان إتاحة المعلومات المتعلقة بإمدادات المياه وجودتها وأسعارها بسهولة لعامة الناس. ويشمل ذلك التواصل المنتظم بشأن قضايا المياه، بالإضافة إلى توفير قنوات واضحة للسكان للإبلاغ عن هواجسهم والمشاركة في عمليات صنع القرار المتعلقة بحوكمة المياه.
قائمة المراجع
Adams, J. (1998). Structural adjustment, safety nets, and destitution. Economic Development and Cultural Change, 46(2), 403-420.
Amber, W., & Beresford, M. (2018). The economic anthropology of water. Economic Anthropology, 5(2), 168-182. https://doi.org/10.1002/sea2.12153
Arnall, A., Furtado, J., Ghazoul, J., & De Swardt, C. (2024). Perceptions of informal safety nets: A case study from a South African informal settlement. https://www.researchgate.net/publication/227610923_Perceptions_of_informal_safety_nets_A_case_study_from_a_South_African_informal_settlement
Bivins, A. W., Sumner, T., Kumpel, E., Howard, G., Cumming, O., Ross, I., Nelson, K., & Brown, J. (2017). Estimating infection risks and the global burden of diarrheal disease attributable to intermittent water supply using QMRA. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/28582618/
Bronfenbrenner, U. (1979). The ecology of human development: Experiments by nature and design. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674224575
Central Administration of Statistics (CAS) of Lebanon & International Labour Organization (ILO). (2022). Lebanon follow-up Labour Force Survey January 2022. https://www.ilo.org/publications/lebanon-follow-labour-force-survey-january-2022
Choueiri, Y., Lund, J., London, J. K., & Spang, E. S. (2022). (Un)affordability of informal water systems: Disparities in a comparative case study in Beirut, Lebanon. Water, 14(17), 2713. https://www.mdpi.com/2073-4441/14/17/2713
Connell, R. W. (2002). Gender. Polity. https://openlibrary.org/books/OL15505869M/Gender
Daniels, A. K. (1987). Invisible work. Social Problems, 34(5), 403-415. https://doi.org/10.2307/800538
Dasgupta, P., & Serageldin, I. (Eds.). (2000). Social capital: A multifaceted perspective. World Bank. http://documents.worldbank.org/curated/en/663341468174869302/Social-capital-a-multifaceted-perspective
Devereux, S. (1999). ‘Making less last longer’: Informal safety nets in Malawi.
Doocy, S., Lyles, E., Akhu-Zaheya, L., Burton, A., & Burnham, G. (2016). Health service access and utilization among Syrian refugees in Jordan. International Journal for Equity in Health, 15(1), 1-12. https://doi.org/10.1186/s12939-016-0399-4
Dubreuil, C. (2006). The right to water: From concept to implementation. World Water Council. https://www.worldwatercouncil.org/en/publications/right-water-concept-implementation
Government of Lebanon. (2018). Lebanon Water Law: Part 2, Chapter 1, Article 14; Part 3, Chapter 1, Articles 31-32. Beirut: Government of Lebanon.
Harmsworth, G., & Awatere, S. (2013). Indigenous Māori knowledge and perspectives of ecosystems. In J. R. Dymond (Ed.), Ecosystem services in New Zealand: Conditions and trends (pp. 274-286). Manaaki Whenua Press. https://www.landcareresearch.co.nz/assets/Discover-Our-Research/Environment/Sustainable-society-policy/VMO/Indigenous_Maori_knowledge_perspectives_ecosystems.pdf
Hoag, C. (2019). Water is a gift that destroys: Making a national natural resource in Lesotho. Economic Anthropology, 6(2), 183-194. https://ideas.repec.org/a/bla/ecanth/v6y2019i2p183-194.html
Huberts, A., Palma, D., Bernal García, A. C., Cole, F., & Roberts, E. F. S. (2023). Making scarcity “enough”: The hidden household costs of adapting to water scarcity in Mexico City. PLOS Water. https://sites.lsa.umich.edu/mexican-exposures-spanish/wp-content/uploads/sites/555/2023/03/EnoughWater.pdf
Kaplan, M. (2016). Nation and conservation: Postcolonial water narratives in Singapore rituals. Journal of the Malaysian Branch of the Royal Asiatic Society, 89(1), 21-40. https://www.researchgate.net/publication/311578450_Nation_and_Conservation_Postcolonial_Water_Narratives_in_Singapore_Rituals
Komarulzaman, A., De Jong, E., & Smits, J. (2019). Effects of water and health on primary school enrolment and absenteeism in Indonesia. J Water Health, 17(4), 633-646. https://doi.org/10.2166/wh.2019.044
Meehan, K. (2013). Disciplining de facto development: Water theft and hydrosocial order in Tijuana. Environment and Planning D: Society and Space, 31(2), 319-336. https://www.academia.edu/15333603/Disciplining_de_facto_development_water_theft_and_hydrosocial_order_in_Tijuana
Ministry of Environment, UNHCR, UNICEF, UNDP. (2020). State of the environment and future outlook: Turning the crisis into opportunities. Lebanon. https://www.unicef.org/lebanon/media/7161/file/SOER_Report_EN.pdf
Moser, C. O. (1998). The asset vulnerability framework: Reassessing urban poverty reduction strategies. World Development, 26(1), 1-19.
Oliver, M. (1990). The politics of disablement. Macmillan Education UK. https://books.google.es/books/about/The_Politics_of_Disablement.html?id=S8BIAAAAYAAJ&redir_esc=y
Pacheco-Vega, R. (2020). Human right to water and bottled water consumption: Governing at the intersection of water justice, rights, and ethics. In F. Sultana & A. Loftus (Eds.), Water politics: Governance, justice, and the right to water (pp. 113-128). Routledge. https://www.researchgate.net/publication/337064155_Pacheco-Vega_Raul_2020_Human_Right_to_Water_and_Bottled_Water_Consumption_Governing_at_the_Intersection_of_Water_Justice_Rights_and_Ethics_In_Farhana_Sultana_and_Alex_Loftus_Eds_Water_Politics_Governa
Papadopoulos, R. (2006). Psychosocial support after adversity: A systemic approach. International Organization for Migration (IOM). https://www.iom.int/sites/g/files/tmzbdl486/files/mhpss/annex/iommhpssannex3_20200512.pdf
Prüss-Ustün, A., Wolf, J., Bartram, J., Clasen, T., Cumming, O., Freeman, M. C., ... & Medlicott, K. (2019). Burden of disease from inadequate water, sanitation, and hygiene for selected adverse health outcomes: An updated analysis with a focus on low- and middle-income countries. International Journal of Hygiene and Environmental Health, 222(5), 765-777. https://doi.org/10.1016/j.ijheh.2019.05.004
Ranganathan, M. (2014). Mafias in the waterscape: Urban informality and everyday public authority in Bangalore. Water Alternatives, 7(1), 89-105. https://www.researchgate.net/publication/263652518_'Mafias'_in_the_Waterscape_Urban_Informality_and_Everyday_Public_Authority_in_Bangalore
Ray, I. (2007). Women, water, and development. Annual Review of Environment and Resources, 32, 421-449. https://doi.org/10.1146/annurev.energy.32.041806.143704
REACH Initiative, & United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (UN OCHA). (2024). Multi-sectoral needs assessment: Lebanese households in Lebanon. https://www.unocha.org/publications/report/lebanon/multi-sectoral-needs-assessment-lebanese-households-lebanon-march-2024?gad_source=1&gclid=Cj0KCQjwz7C2BhDkARIsAA_SZKZYWFguC9p61idun1cK4PrKfHRVj0T-Xp6fRHWFn2VgP6AZgIPdQJQaAucsEALw_wcB
Schwerdtle, P., Bowen, K., & McMichael, C. (2018). The health impacts of climate-related migration. BMC Medicine, 16, 1. https://doi.org/10.1186/s12916-017-0981-7
Sikkink, L. (1997). Water and exchange: The ritual of Yaku Cambio as communal and competitive encounter. American Ethnologist, 24(2), 289-310. https://www.jstor.org/stable/646571
Silverstein, M., Putney, N. M., Gans, D., & Bengtson, V. L. (2008). Handbook of theories of aging (2nd ed.). Springer Publishing Company. https://books.google.es/books/about/Handbook_of_Theories_of_Aging_Second_Edi.html?id=lQv7-xPm_jsC&redir_esc=y
Sultana, A., Wilson, J., Martin-Hill, D., Davis-Hill, L., & Homer, J. (2022). Assessing the impact of water insecurity on maternal mental health at Six Nations of the Grand River. Frontiers in Water, 4, Article 789123. https://doi.org/10.3389/frwa.2022.789123
Swift, J. (1989). Why are rural people vulnerable to famine? IDS Bulletin, 20(2), 8-15.
Transparency International. (2021). Corruption perceptions index. Transparency International. https://reliefweb.int/report/world/corruption-perceptions-index-2021-enarru?gad_source=1&gclid=CjwKCAjwuMC2BhA7EiwAmJKRrOIE5hwVpSOjY8SnSHBhNr1WQ307RALtf0wmlualsn-dLPhQVPXxCxoC3MYQAvD_BwE
United Nations Children's Fund (UNICEF). (2022). Lebanon humanitarian situation report. https://www.unicef.org/documents/lebanon-humanitarian-situation-report-mid-year-2022
United Nations Children's Fund (UNICEF). (2022). UNICEF report: Lebanon’s water infrastructure struggles on, but remains on the brink. https://www.unicef.org/lebanon/press-releases/unicef-report-lebanons-water-infrastructure-struggles-remains-brink
United Nations Development Programme (UNDP). (2006). Human development report 2006: Beyond scarcity: Power, poverty and the global water crisis. https://reliefweb.int/report/world/human-development-report-2006-beyond-scarcity-power-poverty-and-global-water-crisis?gad_source=1&gclid=CjwKCAjwuMC2BhA7EiwAmJKRrDyyYZedP5bLTB8qPkzdJAmSlVw9gAEjQv_KGH1EzLig3xV5DNmydBoCEBkQAvD_BwE
United Nations Development Programme (UNDP). (2022). Lebanon Crisis Response Plan 2021-2022. https://www.undp.org/lebanon/publications/2022-lebanon-crisis-response-plan-lcrp
United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). (2022). Syria Refugee Response Lebanon: Bekaa & Baalbek-El Hermel Governorate - Distribution of the Registered Syrian Refugees at the Cadastral Level. https://reliefweb.int/map/lebanon/syria-refugee-response-lebanon-bekaa-baalbek-el-hermel-governorate-distribution-registered-syrian-refugees-cadastral-level-31-december-2022
UN News. (2021). Lebanon: Public water system on the verge of collapse, UNICEF warns. https://news.un.org/en/story/2021/07/1096312
[1] مقابلة مع أحد المخاتير في المنطقة.
[2] أرقام تقديرية بحسب المخاتير وأهالي المنطقة.
[3] مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين. (٢٠٢٢). الاستجابة لأزمة اللاجئين/ات السوريين/ات في لبنان: محافظتا البقاع وبعلبك-الهرمل – توزيع اللاجئين/ات السوريين/ات المسجّلين/ات على المستوى العقاري (Syria Refugee Response Lebanon: Bekaa & Baalbek-El Hermel Governorate - Distribution of the Registered Syrian Refugees at the Cadastral Level).
[4] أرقام قدّمتها مؤسّسة مياه البقاع للمُؤلِّفة.
[5] برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي. (٢٠٢٢). خطّة لبنان للاستجابة للأزمة ٢٠٢١– ٢٠٢٢.
[6] إدارة الإحصاء المركزي في لبنان ومنظّمة العمل الدولية. (٢٠٢٢). مسح القوى العاملة ٢٠٢٢.
[7] مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين. (٢٠٢٢). صحيفة الوقائع الخاصّة بلبنان.
[8] أخبار الأمم المتّحدة. (٢٠٢١). لبنان: اليونيسيف تُحذِّر من انهيار النظام العام للمياه (Lebanon: Public water system on the verge of collapse, UNICEF warns).
[9] منظّمة الشفافية الدولية. (٢٠٢١). مؤشّر مدركات الفساد ٢٠٢١.
[10] منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (اليونيسف) (٢٠٢٢). تقرير اليونيسيف عن الوضع الإنساني في لبنان.
[11] الهدف ٦ من أهداف التنمية المستدامة، وهو جزء من خطّة الأمم المتّحدة للتنمية المستدامة لعام ٢٠٣٠. يرمي الهدف ٦ من أهداف التنمية المستدامة إلى ضمان توافر المياه والصرف الصحّي للجميع وإدارتهما المستدامة. يُركِّز هذا الهدف على توفير إمكانية حصول الجميع على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحّي، وتحسين جودة المياه، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، ومعالجة ندرة المياه وتلوّثها. يقيس المؤشّر ٦-١-١ نسبة السكّان الذين يستخدمون خدمات مياه الشرب المدارة بأمان. ويتتبع هذا المؤشّر التقدّم المحرز نحو تحقيق حصول الجميع على مياه الشرب المأمونة.
[12] الأمم المتّحدة – المياه (٢٠٢٢). لمحة سريعة عن الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة: لبنان.
[13] تشمل مصادر مياه الشرب المحسّنة: المياه الموصولة عبر الأنابيب، والآبار الأنبوبية أو المحفورة، والآبار المحمية، والينابيع المحمية، ومياه الأمطار، والمياه المعبّأة أو الموزَّعة.
[14] شويري، ي.، لوند، ج.، لندن، ج. ك.، سبانغ، إ. س. (٢٠٢٢). عدم القدرة على تحمّل كلفة أنظمة المياه غير الرسمية: تفاوتات في دراسة حالة مقارنة في بيروت، لبنان.
[15] برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (٢٠٠٦). تقرير التنمية البشرية ٢٠٠٦: المياه في ما بعد الندرة... السلطة والفقر وأزمة المياه العالمية (Human development report ٢٠٠٦: Beyond scarcity: Power, poverty and the global water crisis).
[16] وزارة البيئة، مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، اليونيسف، برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (٢٠٢٠). واقع البيئة في لبنان والتوقّعات المستقبلية: تحويل الأزمات إلى فُرَص.
[17] سلطانة، أ.، ويلسون، ج.، مارتن-هيل، د.، ديفيس-هيل، ل.، وهوما، ج. (٢٠٢٢). تقييم أثر انعدام الأمن المائي على الصحّة النفسية للأمّهات في مجتمع "الستّ قبائل على نهر الغراند" (Assessing the Impact of Water Insecurity on Maternal Mental Health at Six Nations of the Grand River). "فرونتيرز إن ووتر" (Frontiers in Water).
[18] باشيكو-فيغا، ر. (٢٠٢٠). الحقّ الإنساني في المياه واستهلاك المياه المعبّأة: الحوكمة عند تقاطع عدالة المياه والحقوق والأخلاقيات (Human right to water and bottled water consumption: Governing at the intersection of water justice, rights, and ethics). مُستَخلَص من: سلطانة، ف. ولوفتوس، أ. (محرّران)، سياسات المياه: الحوكمة والعدالة والحقّ في المياه (Water politics: Governance, justice, and the right to water).
[19] أمبر، و.، وبيريسفورد، م. (٢٠١٨). الأنثروبولوجيا الاقتصادية للمياه (The economic anthropology of water).
[20] باشيكو-فيغا، ر. (٢٠٢٠). الحقّ الإنساني في المياه واستهلاك المياه المعبّأة: الحوكمة عند تقاطع عدالة المياه والحقوق والأخلاقيات (Human right to water and bottled water consumption: Governing at the intersection of water justice, rights, and ethics). مُستَخلَص من: سلطانة، ف. ولوفتوس، أ. (محرّران)، سياسات المياه: الحوكمة والعدالة والحقّ في المياه (Water politics: Governance, justice, and the right to water).
[21] هوغ، ك. (٢٠١٩). "الماء هبة تُدمّر": إنشاء مورد طبيعي وطني في ليسوتو (‘Water Is a Gift that Destroys’: Making a National Natural Resource in Lesotho). الأنثروبولوجيا الاقتصادية.
[22] هوبيرتس، أ.، بالما، د.، برنال غارسيا، أ. س.، كول، ف.، وروبرتس، إ. ف. س. (٢٠٢٣). جعل الندرة "كافية": التكاليف الخفية التي تتكبّدها الأُسَر للتكيُّف مع مشكلة ندرة المياه في مكسيكو سيتي (Making scarcity “enough”: The hidden household costs of adapting to water scarcity in Mexico City).
[23] ديفيرو، س. (١٩٩٩). "جعل القليل يدوم أكثر": شبكات الأمان غير النظامية في مالاوي ('Making less last longer': informal safety nets in Malawi).
[24] سويفت، ج. (١٩٨٩). لماذا يكون سكّان المناطق الريفية عرضةً للمجاعة؟ (Why are rural people vulnerable to famine?). نشرة معهد الدراسات الإنمائية (IDS)، ٢٠(٢)، ٨-١٥. آدامز، ج. (١٩٩٨). التكيّف الهيكلي، شبكات الأمان، والفقر المدقع (Structural adjustment, safety nets, and destitution). التنمية الاقتصادية والتغيير الثقافي، ٤٦(٢)، ٤٠٣-٤٢٠.
[25] موزر، ك. أ. (١٩٩٨). إطار هشاشة الأصول: إعادة تقييم استراتيجيات الحد من الفقر الحضري (The asset vulnerability framework: reassessing urban poverty reduction strategies). التنمية العالمية، ٢٦(١)، ١-١٩.
[26] أمبر، و.، وبيريسفورد، م. (٢٠١٨). الأنثروبولوجيا الاقتصادية للمياه (The economic anthropology of water).
[27] أمبر، و.، وبيريسفورد، م. (٢٠١٨). الأنثروبولوجيا الاقتصادية للمياه (The economic anthropology of water).
[28] ميهان، ك. (٢٠١٣). ضبط التنمية بحكم الواقع: سرقة المياه والنظام الهيدرواجتماعي في تيخوانا (Disciplining De Facto Development: Water Theft and Hydrosocial Order in Tijuana). مجلة البيئة والتخطيط - القسم د: المجتمع والفضاء.
[29] أرنال، أ.، فورتادو، ج.، غزول، ج.، دي سواردت، ك. (٢٠٢٤). تصوّرات شبكات الأمان غير الرسمية: دراسة حالة من أحد الأحياء العشوائية في جنوب أفريقيا (Perceptions of informal safety nets: A case study from a South African informal settlement).
[30] أمبر، و.، وبيريسفورد، م. (٢٠١٨). الأنثروبولوجيا الاقتصادية للمياه (The economic anthropology of water).
[31] رانغاناثان، م. (٢٠١٤). المافيات في مشهد المياه: اللارسمية الحضرية والسّلطة العامة اليومية في بنغالور. مجلة "بدائل المياه" (Water Alternatives).
[32] ديفيرو، س. (١٩٩٩). "جعل القليل يدوم أكثر": شبكات الأمان غير النظامية في مالاوي ('Making less last longer': informal safety nets in Malawi).
[33] مفوّضية الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين. (٢٠٢٣). تقييم جوانب الضعف للّاجئين السوريين في لبنان لعام ٢٠٢٣.
[34] مبادرة REACH، ومكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. (٢٠٢٤). التقييم المتعدّد القطاعات: الأُسَر اللبنانية في لبنان.
[35] تقييم جوانب الضعف للاجئين السوريين في لبنان لعام ٢٠٢٣.
[36] تقييم جوانب الضعف للاجئين السوريين في لبنان لعام ٢٠٢٣.
[37] هوبرتس، أ.، بالما، د.، برنال غارسيا، أ. ك.، كول، ف.، وروبرتس، إ. ف. س. (٢٠٢٣). تحويل الندرة إلى "كفاية": التكاليف الخفية التي تتحمّلها الأُسر للتكيّف مع ندرة المياه في مدينة مكسيكو (Making scarcity “enough”: The hidden household costs of adapting to water scarcity in Mexico City).
[38] بيفينز، أ. و.، سومنر، ت.، كومبل، إ.، هوارد، ج.، كامينغ، أ.، روس، آي.، نيلسون، ك.، وبراون، ج. (٢٠١٧). تقدير مخاطر العدوى والعبء العالمي للأمراض الإسهالية الناتجة عن نظام التزويد المتقطّع بالمياه باستخدام منهجية التقييم الكمي لمخاطر الميكروبات (Estimating infection risks and the global burden of diarrheal disease attributable to intermittent water supply using QMRA).
[39] بابادوبولوس، ر. (٢٠٠٦). الدعم النفسي الاجتماعي بعد الشدائد: مقاربة نُظمية (Psychosocial support after adversity: A systemic approach). المنظمة الدولية للهجرة.
[40] اليونيسف (٢٠٢٢). تقرير اليونيسف: البنية التحتية للمياه في لبنان تكافح غير أنّها لا تزال تتأرجح على حافة الهاوية.
[41] برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (٢٠٠٦). تقرير التنمية البشرية للعام ٢٠٠٦: ما هو أبعد من الندرة: السلطة والفقر وأزمة المياه العالمية.
[42] قطاع المياه والصرف الصحّي والنظافة الصحية. تنبيه حول قطاع المياه والصرف الصحّي والنظافة الصحية للعمل فيه بدءًا من ٣٠ نيسان/أبريل ٢٠٢٤.
[43] كابلان، م. (٢٠١٦). الأمة والحفاظ على البيئة: سرديات المياه في طقوس سنغافورة بعد فترة الاستعمار. مجلة الفرع الماليزي للجمعية الملكية الآسيوية.
[44] هارمسورث، ج.، وأواتيري، س. (٢٠١٣). معارف الماوري الأصليين ووجهات نظرهم حول النظم البيئية. في كتاب ج. ر. دايموند (المحرر)، خدمات النظم البيئية في نيوزيلندا: الظروف والاتجاهات (ص ٢٧٤-٢٨٦). دار نشر ماناكي وينوا.
[45] سيكينك، ل. (١٩٩٧). المياه والتبادل: طقوس ياكو كامبيو كلقاء جماعي وتنافسي. عالم إثنولوجيا أميركي.
[46] راي، آي. (٢٠٠٧)، المرأة والمياه والتنمية. المراجعة السنوية للبيئة والموارد.
[47] كونيل، ر. و. (٢٠٠٢)، النوع الاجتماعي. التنظيم السياسي.
[48] شويرتل، ب. ن.، وبوين، ك.، وماكمايكل، س. (٢٠١٨). التأثيرات الصحية للهجرة المرتبطة بالمناخ.
[49] دوسي، س.، لايلز، إ.، أخو-زاهية، ل.، بيرتون، أ.، وبيرنهام، ج. (٢٠١٦). الوصول إلى الخدمات الصحية والاستفادة منها بين اللاجئين السوريين في الأردن. المجلة الدولية للمساواة في الصحّة.
[50] أمبر، و.، وبيريسفورد، م. (٢٠١٨). الأنثروبولوجيا الاقتصادية للمياه.
[51] كومارولزمان، أ.، دي جونغ، إ.، سميتس، ج. (٢٠١٩). آثار المياه والصحّة على الالتحاق بالمدارس الابتدائية والتغيب عنها في إندونيسيا.
[52] سيلفرشتاين، م، نوريلا م. بوتني، ن. م، غانز، د، بينغتسون، ف. ل (٢٠٠٨). دليل نظريات التقدم في السنّ. الطبعة الثانية. دار سبرينغر للنشر.
[53] أوليفر، م. (١٩٩٠). سياسات الإعاقة. ماكميلان للتعليم في المملكة المتّحدة.
[54] دانيلز، أ. ك. (١٩٨٧). العمل غير المرئي. مشكلات اجتماعية.